Friday, October 24, 2014
0

عامل ستيف جوبز

نيويورك ـ عادة، قد لا يذكر الناس شخصاً ما باسم عائلته إذا كان اسمه الأول مميزا، ولكن في موقفنا هذا ـ وكما كانت الحال في كل ما قام به من أفعال ـ كان ستيف جوبز مختلفاً على طول الخط. فكان دوماً يعرف باسم "ستيف" وحسب.

في مجال الحوسبة الشخصية ـ التي انتقلت من جهاز أبل 2 الضخم إلى جهاز آي فون 4 الأنيق الذكي (الذي تم الإعلان عنه قبل أيام من وفاة ستيف) ـ كان ستيف المخرج الحقيقي الوحيد لما أصبح الآن واحدة من أكبر الصناعات في العالم. فقد ألهم الناس قدراً عظيماً من الحماسة بجودة منتجاته والكاريزما الشخصية التي كان يتمتع بها. (أصبح آخرون رواداً بين "رجال الأعمال"، ولكن ستيف وحده تحول إلى شخص معروف استحق إعجاب الملايين ـ بما في ذلك النادلة الرومانية في صالة الخطوط الجوية البريطانية حيث أجلس الآن).

التقيت ستيف لأول مرة في عام 1979 أو عام 1980، في منتدى بن روزن للكمبيوتر الشخصي. ولسبب ما، عُقِد ذلك المنتدى في منتجع بلاي بوي في ليك جنيف (لم يتكرر ذلك قط!). وكان ريجيس ماكينا، مسؤول العلاقات العامة لدى شركة آبل لعدة سنوات، هو من قام بتنظيم الاجتماع. وكما أذكر، كنا نحن الثلاثة نرتشف دايت كوكا التي قدمتها لنا إحدى العاملات الجميلات في بلاي بوي. وحتى في ذلك الحين كان ستيف، باعتباره مسافراً جاب مختلف أنحاء العالم وأمضى وقتاً طويلاً في الهند، يتمتع بحس أفضل من أغلب التقنيين في التعامل مع العالم خارج الطبقة المتوسطة المتعلمة في أميركا.

سوف أتذكر دوماً تأثيره على منتدى الكمبيوتر الشخصي، الذي اشتريته في وقت لاحق وتوليت إدارته منذ عام 1982 إلى عام 2007. فقد حضر المنتدى عدة مرات في منتصف الثمانينيات والتسعينيات. وكان التنافس بينه وبين كل شخص تقريباً في الصناعة مريرا. وكان هو وغيره من قيادات شركة أبل يُنظَر إليهم باعتبارهم جماعة من المتغطرسين المنعزلين؛ الذين لم يلعبوا بنزاهة مع الآخرين. (وهذا صحيح في واقع الأمر، فقد كان وقحاً في بعض الأحيان في التعامل معي، عندما أفشل في كسب موافقته لسبب أو آخر. وما زلت أذكر آخر رسالة بريد إلكتروني أرسلها إليّ في سبتمبر/أيلول 2010، حيث وصف تطبيقاً خاصاً قدمته إليه بأنه "تافه حقا").

على أية حال، قبل ثلاثين عاماً خلت، اجتمع عدد منا في جناح بأحد الفنادق لمشاهدة مقابلة أجراها معه على شاشة التلفزيون لاري كنج. وعندما تحدث، بإقناع كعادته دوما، تغير المزاج في الغرفة. فلم يعد منافساً لنا داخل سوقنا؛ بل أصبح واحداً منا في عالم أرحب غريب، يشرح صناعتنا الصغيرة غير الناضجة ومنتجاتنا لقاعدة من الناس أعرض كثيراً مما قد نتمكن من الوصول إليه بمفردنا. صحيح أن صناعتنا الصغيرة لديها الكثير من النجوم، ولكن ستيف وحده كان يمتلك من السحر والبلاغة ما يكفي لتحويله إلى نجم في العالم الخارجي. والواقع أننا هللنا له عندما شرح لنا جميعاً بكلمات بليغة ومصطلحات بسيطة التأثير الذي قد يخلفه الكمبيوتر الشخصي على حياة الناس.

لقد أسس ستيف على المستوى التجاري شركة فريدة من نوعها، على الرغم من الفترة التي أمضاها منفياً عن شركة أبل، في حين كادت سلسلة من الأخطاء تتسبب في تدمير المنظمة التي شيدها. وفي عالم حيث يجثو الناس متعبدين لعقيدة "الأنظمة المفتوحة" (ويمارسونها فعلياً في بعض الأحيان)، كان ستيف حريصاً كل الحرص على تبني استراتيجية مغلقة من أجل السيطرة وتقديم خبرة موحدة متماسكة للمستهلكين. وكان هوسه بالتفاصيل أسطوريا.

والواقع أن شركته تعكس ذلك التفرد في التركيز. فلا تزال أبل تسيطر على كل التطبيقات التي يمكنك أن تشتريها، وكل المحتوى الذي يمكنك الاطلاع عليه، وأغلب الجوانب الأخرى من المنتجات التي تبيعها الشركة. وعلى الرغم من النطاق الهائل من المنتجات التي تقدمها، فإن شركة أبل تستعين بفريق تصميم واحد وإدارة مركزية واحدة، ولم تنفذ سوى بضع عمليات استحواذ قليلة على مر السنين، وأبرزها شركة سيري، التي تُعَد المصدر للكثير من التطبيقات الذكية التي تحتوي عليها أحدث نسخة من جهاز آي فون. ولم تسع شركة أبل قط إلى تكديس حصص السوق، بل كانت حريصة بدلاً من ذلك على اجتذاب الزبائن الواحد تلو الآخر من خلال الجاذبية الفريدة التي تتمتع بها منتجاتها.

ولكن في النهاية، يتعين علينا أن ندرك أن الأمر ليس معركة بين استراتيجيات مختلفة. فالانفتاح أمر عظيم، وهو الاستراتيجية التي أحييها عادة: فمن غير المرجح أن ينفرد بائع ما بلقب أفضل بائع، وعلى هذا فإن الانفتاح يسمح لنطاق واسع من الموردين بالمنافسة والاختلاف حتى يبرز الأفضل في النهاية. أما الاستراتيجية المغلقة فلا معنى لها إلا إذا كنت الأفضل على الإطلاق. وهكذا كان ستيف.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured