Thursday, August 21, 2014
0

تسونامي المخاطر

نيويورك ـ لقد حان الوقت لكي تأخذ مجموعة العشرين تفويضها على محمل الجد فتوافق على الخطوات اللازمة لتثبيت استقرار الاقتصاد العالمي وإطلاقه على مسار نمو أكثر استقرارا. ولكن مجموعة العشرين تتصرف بدلاً من ذلك وكأنها جمعية للحوار والمناقشة، مع تطور التوجه التعاوني الذي عززته في بداية الأزمة إلى مجموعة من الإجراءات الأحادية المتهورة التي اتخذتها البلدان الأعضاء في المجموعة.

ورغم ذلك فهناك العديد من المخاطر الكبيرة التي تهدد استقرار الاقتصاد العالمي وازدهاره، ولابد من معالجة هذه المخاطر على وجه السرعة. فقد ألقت أيرلندا بأوروبا إلى ثاني أزمة ديون سيادية هذا العام، وأصبحت أسواق رأس المال تعاني من حالة من الفصام، مع اندفاع الاستثمار جيئة وذهاباً عبر الأطلنطي في استجابة لخطر العدوى في أوروبا والتيسير الكمي في الولايات المتحدة.

ومن ناحية أخرى يتواصل تدفق رأس المال إلى الأسواق الناشئة حيث أسعار الفائدة الأعلى، الأمر الذي يؤدي إلى تراكم الضغوط التضخمية، ويدفع أسعار الأصول إلى الارتفاع، ويُخضِع العملات للارتفاع الذي يهدد قدرتها التنافسية ـ أو باختصار، التشوهات والمشاكل الناجمة عن السياسات التي تتطلب استجابات دفاعية غير تقليدية.

كما انخفضت توقعات النمو وتشغيل العمالة في البلدان المتقدمة ـ الاعتراف المتأخر بالواقع المتمثل في التعافي المطول والصعب، والطابع المتغير الجديد في مرحلة ما بعد الأزمة. وفي ظل توقعات النمو الأدنى والأقرب إلى الواقع، فإن العجز المالي في الأمد القريب إلى المتوسط يُنظَر إليه على أنه أشد خطورة.

وفي الولايات المتحدة يعتقد أفراد مجموعة فرعية من صناع القرار السياسي أن ضعف النمو وارتفاع معدلات البطالة يستلزم استجابة سياسية. ومع استنفاد العقلية الدورية والحيز المالي، فقد يدافع أنصار الجولة الثانية من التيسير الكمي عنها بوصفها استراتيجية ضرورية لتخفيف مخاطر الانزلاق إلى دورة انحدار ثانية في أسواق الأصول (سوق الإسكان في المقام الأول) والقوائم المالية للأسر الأميركية ـ وإلى جانب ذلك احتمالات نشوء ديناميكية انكماشية.

والأمر المثير للقلق أن الجولة الثانية من التيسير الكمي تبدو وكأنها تُعَد في الولايات المتحدة كاستراتيجية للنمو، وهو ما لا ينطبق عليها، ما لم يتصور المرء أن أسعار الفائدة المنخفضة من شأنها أن تعمل على عكس اتجاه عملية تقليص المديونية في القطاع الخاص، ورفع معدلات الاستهلاك، وخفض معدلات الادخار ـ وهو سيناريو غير مرجح وغير مرغوب. وهي تفترض أيضاً إمكانية تأجيل معالجة القيود البنيوية المفروضة على القدرة التنافسية ـ وربما بشكل دائم.

ويشير المنظور من خارج الولايات المتحدة إلى أن جولة التيسير الكمي الثانية إما أنها تشكل خطأً يؤدي إلى تأثيرات خارجية سلبية، أو أنها سياسة تشتمل على نية واضحة ولكنها غير معلنة لخفض قيمة الدولار ـ وهو التحرك الذي من المرجح أن تكون تأثيراته السلبية الرئيسية على القدرة التنافسية والنمو محسوسة في أوروبا، وليس في الصين والهند والبرازيل. والواقع أن العمل من جانب واحد فيما يتصل بهذا الجانب وغيره من الأبعاد كان سبباً في إضعاف مهمة مجموعة العشرين المتمثلة في تحديد وتنفيذ السياسات القائمة على المنفعة المتبادلة بطريقة منسقة. والمتطلب الأساسي الأدنى لتحقيق مجموعة العشرين لأي تقدم هو أن تتم مناقشة السياسات التي تنتهجها البلدان الناشئة والمتقدمة والتي تشتمل على تأثيرات خارجية كبرى، والاتفاق عليها سلفاً إن أمكن.

وبعيداً عن الحاجة إلى تقليص المديونية لبضع سنوات أخرى، فإن الاقتصاد الأميركي يواجه مشاكل أطول أمداً مع الطلب الكلي، وتشغيل العمالة، وتوزيع الدخل، وهي المشاكل التي لا يمكن حلها من خلال الاستهلاك والاستثمار فقط. إن أميركا في احتياج إلى توسيع حصتها في الطلب العالمي الخارجي، وهو ما يتطلب الاستثمار في القطاع العام، والتغيير البنيوي، وتحسين القدرة التنافسية في القطاع القابل للتداول.

وفي الوقت عينه تناضل أوروبا بحثاً عن حل لمشاكل العجز والديون من خلال معالجتها بالسيولة القصيرة الأمد والتي تهدف في الأساس إلى شراء الوقت لضبط الأوضاع المالية، وفي غياب آليات سعر الصرف، توظيف عملية انكماشية من نوع ما لاستعادة القدرة التنافسية الخارجية. والواقع أن النجاح ليس مضموناً على الإطلاق، والنتيجة الأكثر ترجيحاً تتلخص في سلسلة من أحداث انتقال العدوى وخسارة أوسع نطاقاً للثقة في اليورو. وتتلخص القضية الأساسية في تقاسم الأعباء عبر حاملي الأسهم، ومواطني بلدان العجز، والاتحاد الأوروبي، وبقية العالم (عبر صندوق النقد الدولي).

إن بلدان الأسواق الناشئة معرضة للخطر نتيجة لذلك. فهي قادرة على دعم معدلات نمو مرتفعة نسبياً في مواجهة فترة الانتعاش الضعيف المطولة في البلدان المتقدمة، ولكن شريطة ألا تتعرض أميركا الشمالية أو أوروبا (أو كلاهما) لدورة انحدار كبرى، أو تندلع موجة خطيرة من تدابير الحماية، أو يتزعزع استقرار الأسواق المالية العالمية.

وتواجه الأسواق الناشئة الرئيسية أيضاً تأثيرات شاملة على النمو وتشغيل العمالة عبر طائفة واسعة من البلدان، بما في ذلك المتقدمة منها. ويتعين عليها أن تدرك هذه الحقيقة. والواقع أن التباينات القديمة بدأت تتلاشى، وهناك تحديات جديدة ترتبط بالتوزيع في صميم عملية التنسيق العالمي للسياسة الاقتصادية.

ففي أغلب فترة ما بعد الحرب، نجحت البلدان المتقدمة في تحقيق النمو من خلال توسيع القاعدة المعرفية والتكنولوجية لاقتصادها. وفي ظل اقتصاد عالمي سريع الانفتاح، تعلمت البلدان الناشئة كيفية الوصول إلى كل من التكنولوجيا والأسواق، وبالتالي نجحت في تسجيل نمو غير مسبوق وبمعدلات بالغة السرعة.

ومع التحول الذي طرأ على النشاط الاقتصادي العالمي وفي ظل تطور بنية الاقتصاد في كل البلدان نتيجة لهذا التحول، فإن التأثيرات المرتبطة بالتوزيع كانت حميدة في أغلب الأحوال. ولكن ذلك لم يكن أمراً حتميا. بل إن هذه النتيجة كانت راجعة في أغلب تلك الفترة إلى أن البلدان المتقدمة استفادت من الإبداع الذي حركته قوى السوق، في حين استوردت الأسواق الناشئة المعرفة وصدرت السلع والخدمات، وكان التأثير الشامل الذي خلفته على اقتصاد البلدان الناشئة محدودا.

ولكن هذا النمط بدأ يتغير. فقد أصبح نطاق الأسواق الناشئة في نمو مستمر، وأصبحت مكانتها في سلسلة القيمة العالمية في تحول سريع. وتشير بيانات استقصاء المواقف إزاء النظام الاقتصادي العالمي المتطور إلى تباعد متزايد الاتساع بين البلدان فضلاً عن المجموعات الفرعية داخل كل بلد. ويعكس هذا على نحو يكاد يكون مؤكداً التباعد من حيث التأثير الذي يخلفه هذا النظام على التوزيع. والواقع أن توجيه الترابط العالمي المتبادل على نحو قادر على تحسين ميول التوزيع السلبية أمر ممكن، ولكنه سوف يتطلب الحكمة والبصيرة.

ولابد وأن يكون ذلك التحدي في صميم مهمة مجموعة العشرين. وبعبارة أخرى، فإن أدراك المصلحة الجماعية المترتبة على انفتاح الاقتصاد العالمي لا يكفي. بل إننا في احتياج إلى قدر كبير من الاستعداد العملي لتكييف الحوافز والنتائج على النحو القادر على تحقيق النتائج المرتبطة بالتوزيع بالشكل الذي يسمح للاعبين الرئيسيين، في ظل القيود السياسية الداخلية التي تحكمهم، بالإبقاء على انفتاح النظام. والبديل لهذا سوف يكون التدابير الأحادية الجانب التي تسعى إلى تحقيق نفس الأهداف، ولكنها تؤدي إلى نتائج قد تجعل الجميع في وضع أسوأ.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured