كثيراً ما تتصدر منطقة آسيا الوسطى الأنباء في هذه الأيام ـ ولكن يبدو أن أغلب الأنباء الواردة عنها سيئة. حتى أن القارئ أو المشاهد أو المستمع غير المنتظم أصبح ملماً بإقليم مغلق غير نافذ على محيط أو بحر، ودول فقيرة ـ كازاخستان، وقيرغستان، وطاجيكستان، وتركمنستان، وأوزباكستان ـ تتقاسم إرثاً مشتركاً من العزلة، والموارد الطبيعية المبددة، والأحوال البيئية المتدهورة، وأنظمة سياسية من العصر السوفييتي.
مع كل ما سبق فهو إقليم يتميز أيضاً بتاريخ بعيد من الإنجازات الاقتصادية والثقافية العظيمة التي شهدها عصر "طريق الحرير"، وهو إقليم برز مؤخراً باعتباره بؤرة لتنافس عالمي متجدد يذكرنا بالحرب الباردة. تُـرى هل يستطيع إقليم آسيا الوسطى أن يستعيد دوره الرئيسي في قلب الكتلة القارية الأوراسية الضخمة التي يحيط بها من أطرافها عدد من أكثر الكيانات الاقتصادية نشاطاً على مستوى العالم ـ الصين وروسيا والهند؟
على الرغم من الجهود الدولية الجديرة بالثناء والتي ترمي إلى مساعدة أفريقيا لكي تنمو إلى الحد الذي يجعلها قادرة على الاستغناء عن اعتمادها الشديد على الدول المانحة خلال العقد القادم، إلا أن تحديات التنمية الاقتصادية والأمن البشري، التي لا تقل أهمية، والتي تواجه إقليم آسيا الوسطى، لا تجد بصورة عامة من يتفهمها بشكل كامل. لقد كان تاريخ المنطقة، وجغرافيتها ـ إذا ما قيست ببعدها عن أقرب المرافئ البحرية ـ من الأسباب التي أدت إلى عزلة هذه الدول على الأصعدة المادية، والاقتصادية، والاجتماعية، وساهمت في تفاقم المصاعب التي تحول دون تحولها إلى اقتصاد السوق. ونتيجة لذلك فقد أصبحت مؤشرات التنمية والحكم في آسيا الوسطى تتساوى مع نظيراتها في العديد من الدول الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا.
لكن تقرير التنمية البشرية الخاص بآسيا الوسطى، والذي صدر مؤخراً عن البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة، يؤكد أن دول آسيا الوسطى لديها فرصة عظيمة للاستفادة من موقعها في مركز قارة عامرة بالنشاط، ومن مواردها الطبيعية الوفيرة، والإمكانية التي ما زالت قوية لصياغة وتشكيل منطقة مزدهرة، ومستقرة، ومتماسكة. لكن هذا يتطلب من تلك الدول أن تنفتح على بقية العالم، وأن تتعاون كل منها مع الأخرى ومع الدول المجاورة من أجل إصلاح أنظمتها السياسية العتيقة على نحو جذري.
من الضروري أن يتضمن التعاون الإقليمي مجالات تتراوح ما بين التجارة والانتقال والنقل، إلى المياه والطاقة، فضلاً عن الجهود الرامية إلى السيطرة على تجارة المخدرات وتهريبها. وطبقاً للتقديرات الواردة في التقرير فإن دول آسيا الوسطى تستطيع، إذا ما فعلت ذلك وإذا ما حرصت على تحسين مناخ الاستثمار والحكم لديها، أن تضاعف دخولها خلال السنوات العشر القادمة، وأن تحدث اقتصادها، وتتصل ببقية العالم، وتحسن الأحوال المعيشية لمواطنيها بصورة جوهرية.
في الوقت الحالي يعاني الإقليم من قيود هائلة مفروضة على النقل والانتقال. كما أن الزمن الذي تستغرقه العمليات التجارية طويل وتكاليفها مرتفعة على نحو غير سوي، ويرجع هذا إلى الإجراءات الحدودية المطولة وغير الموحدة، وأسعار التعريفات الجمركية المرتفعة، والفساد، والاستثمار الضعيف في البنية الأساسية للنقل. والحقيقة أن هذه التكاليف قد تنخفض إلى النصف من خلال تبني أنظمة جمركية وإدارة حدودية أفضل، وممرات نقل محسنة، وخدمات نقل أكثر قدرة على المنافسة. ومن خلال الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وتحسين مناخ الاستثمار، ومنع التدخل في أعمال صغار التجار ـ وأغلبهم من النساء الفقيرات اللاتي يحاولن كسب عيشهن ـ تكون حكومات المنطقة بهذا قد يسرت للشركات التجارية والمزارعين في المنطقة سبيل الوصول إلى الأسواق واجتذاب الاستثمارات الجديدة التي تحتاجها المنطقة بشدة.
تتمتع آسيا الوسطى بوفرة من مصادر الطاقة والمياه على الرغم من إهدار قدر كبير من هذه المصادر بسبب سوء الاستخدام والصيانة الفقيرة للبنية الأساسية. وطبقاً للتقديرات فإن حوالي 1.7 مليار دولار أميركي تهدر سنوياً في مجال الإنتاج الزراعي بسبب سوء إدارة المياه. إن الإقليم مؤهل لكي يصبح واحداً من الموردين الرئيسيين للنفط والغاز لأسواق الطاقة العالمية. وإذا ما أديرت أنهاره الضخمة على النحو الملائم، فإنها قادرة على تقديم ما يكفي من المياه لري المحاصيل الزراعية، بل وتصدير الطاقة الكهربية للصين والهند وروسيا. لكن الأمر يتطلب أن تتعاون دول المنطقة فيما بينها، وأن تتعاون مع الدول المجاورة لها من أجل التوصل إلى الإدارة الإقليمية الفعالة لمصادر المياه والطاقة.
إن الإقليم عرضة للخطر أيضاً بسبب الآثار التي تخلفها تجارة المخدرات. ومع أن المخدرات غير المشروعة تنتقل عبر كافة دول آسيا الوسطى، إلا أن طاجيكستان تتحمل الوطأة العظمى من العقاب والتوبيخ بسبب موقعها على الحدود الشمالية لأفغانستان. وطبقاً للتقديرات فإن ما يصل إلى مائة طن من الهيروين تمر عبر طاجيكستان كل عام، وهذا ما يعادل إجمالي الطلب السنوي المقدر في أميركا الشمالية وغرب أوروبا. وما لم تتعاون دول آسيا الوسطى مع الدول المجاورة لها من أجل السيطرة على إنتاج المخدرات واستخدامها وتهريبها، فإنها لن تتمكن أبداً من استئصال هذا المصدر المستمر للمخاطر الصحية الشديدة والفساد والجريمة.
لكن الأنباء الطيبة اليوم هي أن أغلب دول آسيا الوسطى وجيرانها والمجتمع الدولي قد أدركت الأهمية الكبرى للتعاون والانفتاح والتكامل. فقد تبنت كازاخستان وقيرغستان وطاجيكستان سياسات منفتحة نشطة وبدأت في العمل المشترك على العديد من الجبهات والأصعدة. ولكن مما يدعو للأسف أن هذه الدول ليست مهتمة جميعها بنفس القدر بفتح الحدود والتعاون الوثيق: فقد تنحت تركمنستان جانباً، كما ظلت حدود أوزباكستان مغلقة إلى حد كبير.
من الواضح أن التعاون لا ينبغي أن يقتصر على الحكومات فحسب، بل يتعين على شركات الأعمال والتجار ومنظمات المجتمع المدني أيضاً أن تنخرط في هذا التعاون. ومع ذلك فلسوف يظل القرار راجعاً إلى الزعامات في المنطقة إذا ما كانت راغبة في التغلب على العقبات التي تمنع المنطقة من الانفتاح والتعاون. والحقيقة أن الإصلاحات الموجهة لصالح السوق والإدارة الحاكمة الجيدة من الشروط المسبقة الأساسية لإقامة علاقات فعالة عبر الحدود. كما يستطيع المجتمع الدولي الذي يستأثر بحصة من المصلحة في ازدهار آسيا الوسطى واستقرارها وتماسكها، بل ويتعين عليه، أن يلعب دوراً مسانداً في هذه الجهود.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.