Tuesday, October 21, 2014
0

الخمير الحمر أمام المحكمة

في هذه الأيام يخضع من يشتبه في تورطهم في ارتكاب جرائم حرب، من رواندا إلى صربيا إلى سيراليون ، للمحاكمة. وما زال العشرات منهم ينعمون بحريتهم، لكن الأمل ما زال قائماً في مثولهم أيضاً أمام العدالة. لكن هذا لا ينطبق على مرتكبي عمليات الإبادة العرقية الجماعية التي جرت أحداثها في سبعينيات القرن العشرين. فقد ظلوا أحراراً، ولا أحد يبحث عنهم أو يسعى في طلبهم.

أثناء حُكم الخمير الـحُمر في الفترة من عام 1975 وحتى 1979، تعرض ربع سكان كمبوديا ، الذين كان يبلغ تعدادهم آنذاك ثمانية ملايين، للإعدام أو التجويع حتى الموت، أو تُركوا لتفتك بهم الأمراض. ولم يقدم هؤلاء للمحاكمة، ولم يتم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، ولم يكن هناك اعتراف رسمي بواحدة من أبشع وأشنع الجرائم في تاريخ الإنسانية.

ونتيجة لهذا فإن كثيرين ممن وُلِدوا في كمبوديا بعد عام 1979 لا يدركون مدى اتساع نطاق وخطورة تلك الأفعال الوحشية. وفي ذات الوقت، فإن آلام وأحزان الناجين ـ الذين فقد أغلبهم أهلهم وذويهم ـ لم تجد من يثأر لها أو يعوضهم عنها.

ربما كان هذا الظلم على وشك أن يُرفع. فمنذ عام مضى تم التوقيع على اتفاق مبادئ، بين الأمم المتحدة والحكومة الملكية الكمبودية، يقضي بتأسيس " هيئة قضائية غير عادية "، تتألف من ممثلي ادعاء وقضاة دوليين وكمبوديين. وتتلخص مهمة هذه الهيئة في إجراء التحقيقات ومحاكمة كبار زعماء " كمبوديا الديمقراطية " وأولئك الذين يتحملون أكبر المسئولية عن الجرائم التي ارتُكِبت تحت حكم الخمير الـحُمر . لكن التصديق على الاتفاق تأخر بسبب الطريق المسدود الذي وصلت إليه الأحزاب السياسية المتشاحنة في كمبوديا في أعقاب انتخابات العام الماضي. لكن حدوث تقدم مفاجئاً في القضية بات وشيكاً.

إن القرار الرسمي بتشكيل محكمة يمثل الخمير الـحُمر أمامها يعتبر بمثابة إنجاز هائل بعد عِقد من الزمان انقضى في الجهود الدبلوماسية. لكن الخروج بهذا القرار إلى حيز التنفيذ يستلزم التغلب على عدد من العقبات.

تتمثل العقبة الأولى في التكاليف. وتستطيع السلطات الكمبودية أن تعمل على تعزيز مصداقيتها من خلال صد إغراءات المال والتعفف عن رواتب التضخم. لكن ما لا يمكن اجتنابه هو حصول الأطراف الأجنبية على نصيب الأسد من ميزانية المحاكمة. ولقد صُدِمت الحكومات المانحة حين علمت بالتقديرات الحالية لتلك الميزانية والتي تبلغ حوالي خمسين مليوناً على مدى ثلاث سنوات. لكن هذه الميزانية لا تعد ضخمة إذا ما قورنت بميزانية المحكمة الخاصة التي عُقِدت في سيراليون (أكثر من سبعين مليوناً على مدى ثلاث سنوات)، والمائة مليون التي تنفق سنوياً على المحاكم الدولية الخاصة بجرائم الحرب في رواندا و يوغوسلافيا .

نستطيع أن نقول إن الثمن ملائم. فلقد عملت الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى على تزويد الحرب الأهلية في كمبوديا بالوقود في سبعينيات القرن العشرين، ثم أضفت الشرعية على الخمير الـحُمر في ثمانينيات القرن العشرين بإصرارها على استمرارهم في احتلال مقعد كمبوديا في الأمم المتحدة. وإذا كان لمحاكمات الخمير الـحُمر أن تبدأ فيتعين على الدول المانحة أن تنظر إلى الهيئة القضائية غير العادية باعتبارها استثماراً حكيماً نحو كمبوديا المنتجة المستقرة. وإذا أخذنا في الاعتبار هذه المدة الطويلة التي استغرقها الأمر لبلوغ هذا الحد، فسندرك كم هو من الضروري أن يعمل المانحون بسرعة من أجل تدبير الاعتمادات المالية اللازمة.

تكمن العقبة الثانية في أن المحكمة الكمبودية ستكون أول محاكمة دولية تتشكل من أغلبية من القضاة المحليين. وهذه الحقيقة تفرض تحدياً من نوع خاص في دولة كان محاموها هدفاً لأحداث العنف العرقي، ولم يمارس سوى عدد قليل من قضاتها تدريباً رسمياً قضائياً، ولم تتعود إلا قليلاً على استقلال القضاء. وعلى هذا، فهناك من الأسباب ما يدعو إلى القلق والتخوف من محاولة استغلال المحاكمات لغايات سياسية من قِبَل بعض أعضاء الحكومة الكمبودية والتي تتضمن أشخاصاً خدموا ذات يوم تحت حكم الخمير الـحُمر .

ومن أجل ضمان عملية قضائية جديرة بالاحترام والثقة، فيتعين على كمبوديا والأمم المتحدة اختيار القضاة من بين أولئك الذين يتمتعون بأعلى المكانة، وليس من بين ذوي الميول الحزبية. كما يتعين على ممثلي الادعاء أن يتعقبوا الأدلة أينما تقودهم. ولابد وأن تُدار المحاكمات بكل شفافية وبمشاركة شعبية واسعة النطاق. ومن الضروري أن يعمل المراقبون من المنظمات غير الحكومية على متابعة الإجراءات القضائية بكل دقة وتمحيص لضمان اكتشاف الأخطاء في وقت مبكر بما يسمح بإصلاحها. كما يتعين على الأمم المتحدة أن تحذر بشكل واضح من مبادرتها إلى إيقاف المحاكمات إذا عجزت عن اتباع المعايير الدولية.

تتمثل العقبة الثالثة في خطورة النظر إلى الهيئة القضائية غير العادية باعتبارها نهاية وليس بداية سعي طويل الأمد إلى تحمل المسئولية والإصلاح القضائي. ونظراً لضيق الوقت وقلة الموارد، فليس من المرجح أن تتم محاكمة ما يزيد على اثني عشر متهماً. لكن آلافاً آخرين قد شاركوا في أعمال العنف. ولسوف يطالب ضحاياهم الكثيرون بتحمل هؤلاء الآلاف المسئولية بشكل ما ـ ولو بإعلان سجل رسمياً بالجرائم التي ارتُكبت في حقهم. وقبل أن يمر وقت طويل سيكون من الضروري بذل الجهود لتوثيق الحقيقة والإعلان عنها.

إذا تمت الإجراءات القضائية بالشكل اللائق فلسوف يكون في وسع الهيئة القضائية غير العادية الخروج بالمزيد من النتائج الإيجابية من خلال إسهامها في إحداث تغييرات دائمة في إجراءات المحاكم العادية في كمبوديا. وبتقديم وإبراز النماذج الإيجابية في مجالي إصدار الأحكام والدفاع القانوني، فقد تعمل هذه المحاكمات على تحفيز المطالبة الشعبية بعقد محاكمات محلية تقيم العدالة بلا تحيز وتؤدي واجباتها بشكل فعّال. يتعين على الحكومة الكمبودية والجهات الدولية المانحة أن تستجيب إلى هذا المطلب بتنفيذ برامج إصلاحية تمتد إلى ما بعد انتهاء أعمال الهيئة القضائية غير العادية.

لن تبلغ محاكمة الخمير الـحُمر مدارج الكمال، لكنها ضرورية ولازمة. فقد توفي بول بوت في عام 1988، لكن بعض شركائه الكبار المتقدمين في السن مثل " الأخ الثاني " نون تشيا ورئيس الخمير الـحُمر السابق خيو سامفان يعيشون بحرية في كمبوديا. وبالموارد الكافية والإصرار على عدم التنازل عن الجودة، فإن الهيئة القضائية غير العادية تستطيع أن تحقق العدالة للضحايا وتضرب المثل في تأكيد قوة القانون وقدرته على خدمة المصلحة العامة للناس.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured