Friday, October 24, 2014
0

لعبة الهجرة

الأوراق الخضراء، كما تسمى في أوروبا، أو الأوراق البيضاء كما تعرف في أميركا أو بريطانيا، ما هي إلا مجرد مقالات بلاغية متكلفة منمقة ـ دراسات مدعومة من قِـبل الحكومات تنص على مبادئ عريضة ليس من المحتمل أن يتم تطبيقها على مستوى الممارسة أبداً. ولم تكن الورقة الخضراء التي أصدرتها المفوضية الأوروبية بشأن الهجرة الدولية مؤخراً استثناءً لهذه القاعدة.

والحقيقة أن الورقة عبارة عن مزيج بين الأفكار التي يعوزها المنطق وبين الأفكار غير الناضجة التي تهدف إلى "إطلاق مناقشة عامة" بشأن قضية الهجرة "مع اختيار تناول يتجه من القاعدة إلى القمة، بدلاً من الاتجاه من القمة إلى القاعدة". ولكن على الرغم من أن الهدف من هذه المناقشة العامة هو "التوفيق بين السياسات الخاصة بالتعامل مع المهاجرين لأغراض اقتصادية في كل أنحاء الاتحاد الأوروبي"، إلا أن الورقة تنص في مستهلها على أن اتخاذ القرارات في هذا الشأن لابد وأن يظل محصوراً في إطار صلاحيات الحكومات المحلية فحسب. كما أن بعض القوانين التي تقترحها الورقة لا يمكن فرضها ـ وهي بهذا لا تشكل سوى مصدر للإجراءات المعقدة المطولة التي سيضطر المهاجرون وأصحاب الأعمال الذين يستقدمونهم إلى خوضها، والتي ستتطلب قدراً هائلاً من البيروقراطية الحكومية العامة لإدارتها.

سيظل التنسيق بين سياسات الهجرة الوطنية حلماً إذا ما استمرت ذريعة إيكاله إلى الحكومات الوطنية. وليس هناك في الاتحاد الأوروبي ما يشير إلى التقارب بين الأنظمة الوطنية بشأن الهجرة لأغراض اقتصادية.

لقد أصبحت السياسات المرتبطة بالتعامل مع المهاجرين صارمة على نحو متزايد، وعلى نحو خاص في تلك الدول التي تتخذ بالفعل أشد الاحتياطات تقييداً للهجرة. فمنذ عام 1995 شهد الاتحاد الأوروبي، حين كان مكوناً من 15 دولة، 26 إصلاحاً للسياسات الخاصة بالهجرة: وكان الهدف من ثلثي هذه الإصلاحات تشديد الأنظمة من خلال زيادة العقبات الإجرائية التي تواجه المتقدمين بطلبات الحصول على التأشيرة، وتخفيض مدة تصاريح العمل، أو جعل إمكانية لم شمل المهاجر وأسرته أكثر صعوبة وتعقيداً.

ولقد أصبحت الدول أكثر تشدداً لأن تدفقات الهجرة قد تتحول من منطقة إلى أخرى. وهذا من شأنه أن يزيد من مخاوف الرأي العام بشأن تدفق أعداد هائلة من المهاجرين، الذين ترفضهم بعض الدول، على الدول التي لا تفرض قيوداً أكثر صرامة.

لقد أصبح تشديد السياسات على نحو متبادل بين دول الاتحاد أمراً مألوفاً ومعتاداً. فقد شددت فنلندا أنظمة الهجرة إليها في عام 2004، وذلك في أعقاب الموقف المتشدد الذي اتخذته الدنمرك في عام 2002. كما تبنت البرتغال احتياطات لتقييد الهجرة في عام 2001، بعد أن نفذت أسبانيا إصلاحاً مشابهاً في عام 2000. وفعلت أيرلندا نفس الشيء في عام 1999، بعد أن سنت المملكة المتحدة إصلاحين في عامي 1996 و1998 كان الهدف منهما تقييد الهجرة إليها.

ولقد فرض هذا السباق لتقييد الهجرة نفسه على اتخاذ القرار بشأن الترتيبات الانتقالية في أعقاب انضمام عشر دول جدد ـ ثماني منها كانت من دول ما بعد الشيوعية ـ إلى الاتحاد الأوروبي في شهر مايو الماضي. لقد تنكرت اثنا عشرة دولة من الدول الخمس عشرة الأصلية لوعودها بشأن عدم تقييد تدفقات العمالة القادمة من الدول الأعضاء الجديدة، حين أدركت أن النمسا وألمانيا قد بادرتا إلى إغلاق حدودهما في وجه المهاجرين القادمين من الدول المجاورة في الشرق.

لكن القيود الوطنية الصارمة لا تمنع الهجرة؛ بل إنها تعمل فحسب على تحويل التوجه الجغرافي لتدفقات الهجرة، وتؤدي إلى تفاقم الأسباب التي تدعو إلى الهجرة غير الشرعية، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى تضخم حجم الاقتصاد غير الرسمي. والحقيقة أن الهجرة غير الشرعية تصبح أكبر حجماً حين تكون القيود على الهجرة الشرعية أكثر تشدداً. وإن الهجرة غير الشرعية نسبة إلى تعداد السكان تزيد في أوروبا بنسبة 25% عن نفس الشريحة في الولايات المتحدة؛ وفي ذات الوقت فإن الهجرة الشرعية في الولايات المتحدة تزيد بنسبة 25% عن نظيرتها في أوروبا. كما أن الولايات المتحدة تتبنى قيوداً أكثر واقعية على الهجرة مقارنة بأغلب دول أوروبا.

ولن يتسنى لأوروبا أن تتبنى قيوداً أكثر واقعية على الهجرة إلا إذا وضعت في اعتبارها فوائض الهجرة التي تتحول إلى دول أخرى، الأمر الذي يتطلب تنفيذ سياسات يتم الاتفاق عليها على مستوى الاتحاد الأوروبي. لكن الحكومات الوطنية تظل كارهة لتفويض السلطة: ففي نوفمبر 2004، تقبل المجلس الأوروبي تصويت الأغلبية المؤهلة على إجراءات خاصة بالهجرة غير الشرعية، لكنها تركت مسألة القيود على الهجرة الشرعية خاضعة لقواعد الإجماع، وكأن الهجرة الشرعية والهجرة غير الشرعية ليسا وجهين لنفس العملة.

لن تجبر الورقة الخضراء قادة الاتحاد الأوروبي على تغيير آرائهم. فهي تنص على أن الحكومات الوطنية "تستطيع الاستجابة للمطالب المحددة لأسواق العمالة لديها". لكنها لم تؤكد على الميزة الواضحة المتمثلة في تحويل الاتحاد الأوروبي إلى كيان فاعل متفرد فيما يتعلق بفرض الضوابط الحدودية، وتوقيع اتفاقيات التعاون مع الدول الأصلية للمهاجرين، وتشجيع نوعية الهجرة الأكثر ملائمة لأوروبا.

كما تقترح الورقة الخضراء أيضاً أن تطالب الدول الأعضاء، في حالة السماح للمهاجرين بالدخول إليها، بما يثبت أن لا أحد من سوق العمالة المحلية يستطيع شغل المكان الشاغر. ليس من المحتمل أن يكون هذا الاقتراح قابلاً للتطبيق حتى في ظل التخطيط المركزي. فالمهاجرين يغيرون وظائفهم مرتين في كل عام في المتوسط، حيث يسهلون حركة سوق العمالة الأوروبية بانتقالهم من أعمال أقل إنتاجية إلى أعمال أكثر إنتاجية. هل يتعين علينا أن نمنعهم من هذا؟

وعلى نحو مشابه، تقترح الورقة السماح للمهاجرين من ذوي الأعمال الحرة بالدخول بعد تقييم خطط أعمالهم. في ميلانو هذا العام، كان عدد العاملين الأجانب الذين سجلوا أنفسهم باعتبارهم من ذوي الأعمال الحرة أكثر من نظيره من الإيطاليين. ترى من الذي سيتولى تقييم خطط أعمالهم؟ وحتى إن كان اقتراح الورقة معقولاً من حيث الظاهر، وهذا غير صحيح، فهو يفرض سؤالاً أكثر ضخامة: هل نمنع المهاجرين من تولي المشاريع التجارية؟

إذا ما تم التعامل مع هذه القواعد بجدية فإنها لن تحقق شيئاً، باستثناء إجبار المهاجرين وأصحاب الأعمال على تبني أساليب ملتوية. وإن الورقة الخضراء التي أصدرتها المفوضية الأوروبية تبدو وكأنها دعوة صريحة موجهة إلى المهاجرين وأصحاب الأعمال بالالتحاق بالاقتصاد السري غير الرسمي.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured