Monday, July 28, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

صندوق النقد الدولي والتنسيق العالمي

نيويورك ـ قبل اندلاع أزمة 2008 كان صندوق النقد الدولي في انحدار. وكان الطلب على قروضه منخفضاً، الأمر الذي أدى إلى تضاؤل عائدات الصندوق. فقد ظلت آسيا متمسكة بالحذر في التعامل مع الصندوق لمدة عشرة أعوام كاملة بعد أزمة العملة التي ألمت بها في أواخر تسعينيات القرن العشرين. والواقع أن المهارات التحليلية التي يتمتع بها الصندوق ظلت عالية ولكن تقلص حجم الصندوق عرض هذه المهارات للخطر.

ثم جاءت الأزمة ليتغير كل ذلك. فقد بات من الواضح أن صندوق النقد الدولي يلعب دوراً حاسماً في التعامل مع عدم الاستقرار الناجم عن الأزمات. فضلاً عن ذلك، ولأن مجلس إدارة الصندوق والخبرات العميقة المتأصلة في تكوين الصندوق، فإن الأنشطة التي يقوم بها تشكل أهمية مركزية فيما يتعلق بالتوصل إلى حلول تعاونية عالمية للمشاكل الاقتصادية والمالية. وفي غياب مثل هذه الحلول فإن النظام يميل إلى عدم الاستقرار الدوري، والانطلاق على مسارات غير مستدامة تنتهي عادة إلى الكارثة. ولقد خرجنا للتو من واحدة من هذه النوبات.

إن العالم يحتاج إلى صندوق النقد الدولي لتلبية عدة أغراض رئيسية. ومن بينها الاستجابة للأزمات والتصدي لها. ففي ظل الاضطرابات المالية العالمية كتلك التي شهدناها مؤخراً، تتحول تدفقات رأس المال فجأة وباندفاع كبير، الأمر الذي يؤدي إلى مشاكل في الائتمان والتمويل وميزان المدفوعات، فضلاً عن تقلب أسعار صرف العملات. وإذا تُرِكَت مثل هذه المشاكل بلا حل فقد تتسبب في إلحاق ضرر واسع النطاق بعدد كبير من بلدان العالم، التي قد يكون أغلبها بعيداً كل البعد عن الإسهام في بأي شكل من الأشكال في إحداث هذه المشاكل.

والواقع أن النظام يحتاج إلى "قواطع للدوائر الكهربائية" في هيئة قروض وتدفقات لرؤوس الأموال بهدف التخفيف من التقلبات والحفاظ على القدرة على الحصول على التمويل في مختلف أركان النظام. ولا شك أن صندوق النقد الدولي الأفضل تمويلاً مقارنة بفترة ما قبل الأزمة، سوف يكون قادراً على سد الثغرات ـ وهو الوظيفة الأشبه بالوظيفة التي تؤديها البنوك المركزية (والتي قام بها الصندوق أثناء الأزمة) لمنع تجمد الائتمان والضرر الاقتصادي المفرط والذي لا مفر منه.

ويقوم خط الائتمان المرن الجديد الذي أسسه صندوق النقد الدولي بأداء هذه المهمة مع البلدان التي تتمتع بالتصنيف (أأأ). وهناك برنامج مخصص لتلبية احتياجات البلدان الأكثر ضعفاً يجري الآن إعداده. ويتلخص التحدي هنا في التوصل إلى الخليط المناسب بين الموافقة المسبقة، والشروط المحدودة، والسرعة.

في الوقت نفسه، وفي حين يشكل تنظيم آليات الاستجابة للأزمة أهمية كبرى، فإن القصة لا تنتهي هنا. ذلك أن صندوق النقد الدولي محاط بقدر عظيم من التحديات العالمية الواسعة النطاق المتصلة بعملية التنسيق. فبعد نبذه في البداية، أخذ الصندوق على عاتقه الآن الاضطلاع بدور رئيسي في تمويل ـ والأهم من ذلك تنفيذ ـ برامج الاستقرار المالي المخصصة لبلدان الاتحاد الأوروبي المحيطية. والواقع أن هذه البرامج مطلوبة للحد من انتقال العدوى وإعادة الاستقرار إلى منطقة اليورو، في انتظار الإصلاحات المؤسسية الأكثر عمقاً والتي من المفترض أن تعالج المشاكل المتعلقة بالترابط المالي المتبادل في إطار الاتحاد النقدي.

إن القضية الأعظم أهمية على الأجندة الاقتصادية العالمية ـ استعادة التوازن والطلب العالمي ـ تشكل تحدياً يحتاج إلى التنسيق الرفيع المستوى. ولا شك أن الانخفاض المفاجئ في الاستهلاك الزائد في الولايات المتحدة نتيجة للأزمة يجعل التصدي لهذا التحدي أمراً أكثر إلحاحا. ومن دون الاستعانة ببرنامج فعّال لاستعادة التوازن فإن النمو سوف يكون دون المستوى، وسوف يكون من الصعب استعادة طاقات تشغيل العمالة على أسس مستدامة.

إن برامج التحفيز الحكومية قاصرة في قدرتها على استعادة الطلب. ويحتاج الاقتصاد  العالمي إلى بلدان الفائض لتعزيز النمو وخفض معدلات الادخار الزائد ـ وهي ليست بالمهمة السهلة. كما يحتاج الاقتصاد العالمي إلى بلدان العجز (والدول المتقدمة بشكل أكثر عموما) لتطوير وتنفيذ استراتيجيات النمو الجديرة بالثقة والتي تشتمل على تغيير بنيوي فضلاً عن دعم الاستقرار المالي.

وتشكل مجموعة العشرين الآن الهيئة التي تتولى تحديد الأولويات واتخاذ القرارات فيما يتصل بهذا النوع من التحدي، بعد أن أثبتت الأزمة بوضوح أن مجموعة الدول الصناعية السبع لم يعد بوسعها الاضطلاع بهذه الوظيفة. ومن المؤكد أن البلدان الرئيسية ذات الأسواق الناشئة أضخم وأكثر أهمية من أن تستبعد في سياق البحث عن نتائج تعاونية على الصعيد العالمي. كما أدت الأزمة إلى إقناع أغلب المحللين والمراقبين بأن النتائج التي لا تنبني على التعاون من المرجح أن تكون أدنى من المستوى المطلوب إلى حد كبير من حيث النمو، والاستقرار، والاستدامة.

وبوسع مجموعة العشرين أن تحدثنا باستفاضة فيما يتصل بالتعاون. ولكن لكي تضطلع بهذه المهمة على الوجه الأمثل فإنها تحتاج إلى أمانة عامة تتسم بالاطلاع والمصداقية والفعالية. وهنا يأتي دور صندوق النقد الدولي.

والواقع أن عملية التقييم المشترك التي اتفقت بلدان مجموعة العشرين عليها تشكل عنصراً بالغ الأهمية في برنامج استعادة التوازن، فهي العملية التي سوف يتم في إطارها تحديد وتقييم وتجميع أجزاء الاستراتيجية التعاونية اللازمة لتحقيق النمو.

وبنجاح هذه العملية فلابد وأن ينتج عنها التزام من جانب بلدان مجموعة العشرين بتبني سياسات تعود بالفائدة على العالم أجمع ـ شريطة أن يلتزم الآخرون بتعهداتهم. وقد يكون بوسع الولايات المتحدة أن تخفض عجزها بشكل أسرع في إطار تعاوني، ولكن هذا لن يتسنى لها إلا إذا عملت بلدان الفائض على تقليص مدخراتها الزائدة.

إن استعادة التوازن لا تشكل الشرط الوحيد الحتمي للتعاون. فنظام أسعار صرف العملات الدولي معطل جزئي��ً على أقل تقدير. ومن الواضح أن النموذج المختلط القديم ـ والذي كانت البلدان المتقدمة تعمل بموجبه من خلال أسعار صرف معومة وحسابات رأسمالية مفتوحة، في حين كانت البلدان النامية تدير أسعار الصرف من خلال فرض الضوابط على رأس المال وتكديس الاحتياطيات كجزء من استراتيجياتها التنموية ـ كان يؤدي الغرض منه ما دامت التأثيرات النظامية التي تفرضها الأسواق الناشئة ضئيلة نسبيا.

ولكن تلك الأيام ولت. ومن المحتم أن تصبح القضايا الخاصة بالتشوهات والتوزيع أكثر إلحاحاً مع زيادة حجم وتأثير الأسواق الناشئة الرئيسية، نتيجة لعودتها إلى النمو السريع، وفي ظل ما تشهده البلدان المتقدمة من فترات مطولة من الأداء البطيء.

ولتلبية احتياجات البلدان ذات الاقتصاد الناشئ، فضلاً عن تحقيق مصالح البلدان المتقدمة، فإن الأمر سوف يتطلب تأسيس نظام جديد، حيث يتم توجيه أسعار الصرف، على أن يتم تعديلها وفقاً لمعايير كفيلة بإيجاد التوازن بين النمو المحلي والاستقرار العالمي. وسوف يكون صندوق النقد الدولي في قلب عملية تصميم وتطبيق أي نظام عالمي جديد، من منطلق صلاحياته والخبرات التي يتمتع بها.

والآن يضطلع صندوق النقد الدولي بالفعل بدور بناء في أوروبا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وتسعى قياداته إلى إعادة بناء العلاقات مع آسيا. لقد أصبح الصندوق الآن أفضل تمويلاً مقارنة بفترة ما قبل الأزمة، ويجري الآن إصلاح هياكله الحاكمة من أجل منح البلدان الأعضاء ذات الأسواق الناشئة صوتاً أعظم ودوراً أكبر في تصميم الاستراتيجيات والسياسات.

كل ما سبق مطلوب لتمكين صندوق النقد الدولي من دعم وظائف التنسيق العالمي التي أصبح الصندوق الآن مجهزاً على نحو فريد للاضطلاع بها. والواقع أن المشاكل التي نواجهها هائلة حتى في ظل وجود صندوق نقد دولي يتمتع بالقوة والمصداقية. ولكن إذا غاب الصندوق فمن المرجح أن تتحول مجموعة العشرين إلى مجرد منبر للأحاديث وإطلاق التصاريح والبيانات، رغم النوايا الحسنة، ولكن من دون أي وسيلة فعّالة لتحويل هذه النوايا إلى حقيقة واقعة.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured