Friday, October 31, 2014
0

الوعد الزائف بالإعفاء من الديون

على الرغم من تطور قضية إعفاء الدول الفقيرة من الديون حتى تحولت إلى قضية مركزية على جدول أعمال قمة الثمانية المقرر انعقادها في اسكتلندا في شهر يوليو، إلا أنه من المخجل ألا يدرك سوى عدد ضئيل من الناس كيف قد يتضح في النهاية أن مثل هذه التدابير ليست سوى مسرحية هزلية. ومما يدعو للأسف أن الغالبية من عامة الناس، والذين يستحثهم المشاهير من نجوم الغناء والموسيقى والزعامات الدينية وشخصيات عامة أخرى من ذوي النوايا الحسنة، يندفعون وكأنهم خضعوا لعميلة غسيل مخ إلى اعتقاد مفاده أن مسألة الإعفاء من الديون تأتي بمثابة خطوة عملاقة على طريق القضاء على الفقر في العالم. لكن إعفاء الدول الفقيرة من الديون دون الاتفاق على إطار أفضل لتقديم المعونات لها في المستقبل ليس أكثر من مجرد تحرك بلا معنى.

قد يبدو للوهلة الأولى أنها لفتة في غاية الكرم وجديرة برجال دولة مثل زعماء مجموعة الثمانية أن يصادقوا على إعفاء أفقر دول العالم من الديون. لكن لا أحد يتوقع أن تسدد هذه الدول ديونها على أية حال. والحقيقة أنه بفضل المنح المستمرة والقروض الآجلة من هيئات المعونة الوطنية والجهات المقرضة متعددة الجنسيات مثل البنك الدولي، تبدو أغلب الدول الفقيرة المدينة وكأنها أصبحت مهيأة لكي تتلقى من الأموال ما يفوق إلى حد كبير قدرتها على التسديد، وبلا نهاية لهذا في المستقبل المنظور.

قد يكون مواطنو الدول الغنية أنانيين ومنغمسين في أهوائهم، لكن الأمور ليست على هذا القدر من البشاعة الذي تصوره لنا بعض الجهات. والحقيقة أن دولة فاحشة الثراء مثل الولايات المتحدة لا تقدم سوى 0.2% من دخلها كمعونات، لكنها على الأقل لا تفرض رسوماً ضريبية على الدول الفقيرة كما فعلت القوى الاستعمارية التابعة للدول الغنية لقرون طويلة، وحتى انقضاء سنوات عديدة من القرن العشرين.

فضلاً عن ذلك فليس من المرجح أن ينتظر زعماء مجموعة الثمانية عائداً ضخماً من محاولة تحصيل مبالغ ضئيلة من شعوب فقيرة يعيش عدد كبير من أهلها على دخل لا يزيد عن دولار واحد يومياً. ماذا بوسع زعماء مجموعة الثمانية أن يفعلوا؟ هل يحشدون قواتهم المسلحة في أفريقيا للاستيلاء على حبات البن والفـول السوداني؟ هـل يعودون إلى اسـتعمار أفريقيا؟ إن تـحصيل الديون من الدول الفقيرة تصرف سخيف منافٍ للعقل، سواء كان ذلك الآن أو في المستقبل البعيد.

إن القضية الحقيقية هنا هي كم ستقدم حكومات الدول الغنية من المال لحكومات الدول الفقيرة، وليس العكس. وإن أعباء الديون التي تتكبدها دول العالم الثالث لا تزيد إلا قليلاً عن كونها بطاقة تسجيل لإخفاقات التنمية في الماضي.

يرى أصحاب التفسيرات المتسامحة أن قروض الماضي تعكس تفاؤلاً ساذجاً فيما يتصل بقدرة دول متأخرة سياسياً واقتصادياً، مستعينة بمقادير بسيطة من المال، على توليد قدر هائل من النمو يسمح لها بتسديد ما عليها من ديون فيما بعد بلا جهد يذكر. أما التفسيرات غير المتسامحة لتاريخ المعونات في العصر الحديث فتتلخص في أن الهيئات التشريعية في الدول الغنية كانت أكثر بخلاً من أن تقدم منحاً غير مقيدة للدول الأكثر فقراً، ولم يكن في الإمكان حمل تلك الهيئات التشريعية على السماح بتقديم المعونات إلا بعد إقناعها بأن الأموال المقترضة سوف تسدد في المستقبل.

ينصب تركيزي الآن بطبيعة الحال على القروض الرسمية، أما القروض التي يمنحها القطاع الخاص لدول العالم الأكثر فقراً فهي بصورة عامة تشكل قضية ثانوية نسبياً. إذاً فالدول الغنية تريد الآن أن تتباهي بشهامتها بعد أن تتنازل عن ديون كان من المفترض أن تكون على هيئة منحٍ لا تُـرَد منذ البداية.

باعتراف كافة المنتقدين لرئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش ، باستثناء أكثرهم شراسة، فقد اضطلعت أميركا بدور ريادي على قدر كبير من الأهمية في محاولة تحسين الأمور ولو على نحو هامشي. فقد وضعت إدارة بوش قضية المنح المباشرة في مركز القلب من سياسة المساعدات الخارجية، وهو التزام يتجسد في وكالة المعونة الجديدة التي أنشأتها الإدارة تحت مسمى "حساب تحدي الألفية".

فضلاً عن ذلك، تسعى الولايات المتحدة في أعقاب التغييرات التي جرت في البنك الدولي إلى تبني القول المأثور "لا ضرر ولا ضرار". فهي تعمل على زيادة المعونات، لكنها تحاول في ذات الوقت تركيز تلك المعونات على الدول التي تتمتع بحكم رشيد إلى حد معقول. والهدف من هذا جدير بالثناء: فهي بذلك تحرص على ضمان الاستفادة من المعونات على نحو يتسم بالوضوح والشفافية، وتضمن عدم استغلال تلك المعونات من قِـبَل حكومات فاسدة في تمكين قبضتها على السلطة.

مما لا شك فيه أن مناقشات حامية ما زالت دائرة بشأن الطريقة السليمة لمساعدة الدول الفقيرة، وأن هذه المناقشات سوف تستوفى في كواليس قمة مجموعة الثمانية. يرى أغلب الأوروبيين أن هيئات المعونة مثل البنك الدولي سوف تذبل وتموت إذا ما تركناها تعتمد على المنح فقط كوسيلة للدخل. لكنني أعتقد أن المشكلة قد تكون سهلة الحل إذا ما حصل البنك الدولي، على سبيل المثال، على وقف من سندات الدول الغنية، وسُـمِـح له بإنفاق عائداته.

بادر برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة إلى الدفاع عن الموقف المنادي بضرورة حصول كافة الدول الفقيرة على مساعدات ملموسة بصرف النظر عن مدى رشد حكومات تلك الدول، بحجة أن الآلاف من الأطفال يموتون كل يوم، وأنه لا مجال للتعصب المتخفي برداء من التقوى. لكنني أخالف هذا الرأي، ذلك أن استقرائي للأدلة يؤكد أن الدول المانحة لابد وأن تتوخى أشد الحذر حت�� لا تزيد الطين بلة، وأن تحقيق هذا الهدف في الدول التي يحكمها الفساد ليس بالسهولة التي توحي بها الأمم المتحدة.

باختصار، تكمن المشكلة الجوهرية فيما يتصل بمسألة الإعفاء من الديون في ميلها إلى الرجعية بدلاً من السعي إلى التقدم نحو الأمام. وإذا ما كان زعماء مجموعة الثمانية جادين بشأن مساعدة الدول الفقيرة، فإن البداية السليمة تتلخص في السعي إلى إيجاد وسيلة جديرة بالثقة فيما يتصل بدعم المنح والمعونات وتعزيز تحمل المسئولية من قِـبَل الجهات المانحة والجهات المتلقية للمساعدات، وليس مجرد إسقاط الديون. وإذا ما كانت الإرادة السياسية متوفرة فلن يكون من الصعب ولا من المكلف أن نعيد هيكلة وبناء هيئات المعونة مثل البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية، بحيث تتحول إلى هيئات تقدم المنح فقط.

على سبيل المثال، كنت قد أوضحت بالتعاون مع بروفيسور جيريمي بيولو من جامعة ستانفورد أن البنك الدولي يستطيع، إذا ما حصل على وقف قيمته مائة مليار دولار، أن يستمر في أداء المهام التي يجيد القيام بها على نحو أكثر فعالية وبقدر أكبر من الشفافية، مما لو استمر في القيام بمهامه من خلال الاقتراض والإقراض. ونظراً لانخفاض سعر الفائدة إلى حد استثنائي اليوم على القروض طويلة الأجل، فإن التكاليف السنوية ستكون ضئيلة للغاية.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured