Friday, August 29, 2014
0

خُلاصة بوتن

موسكو ــ إن قِلة من الناس، وآخرهم فلاديمير بوتن الذي يخطط للعودة إلى رئاسة روسيا في الرابع من مارس/آذار، كانوا ليتخيلوا في ديسمبر/كانون الأول الماضي أن الشعب الروسي قد يستيقظ للمرة الأولى منذ عشرين عاما، ويحتشد بعشرات الآلاف ضد الحكومة. وخلافاً لثورات الربيع العربي، فإن القوة الدافعة وراء الاحتجاجات المستمرة في روسيا لا تتألف من الفقراء والمحرومين، بل من أهل الطبقة المتوسطة الحضرية الصاعدة في البلاد. وهو فارق مهم، لأن التاريخ يؤكد أن التحولات الديمقراطية الناجحة كانت تتطلب في كل الأحوال تقريبا طبقة متوسطة قادرة على تعبئة نفسها سياسيا.

لقد نزل أهل الطبقة المتوسطة الناجحون من ذوي التعليم الجيد إلى الشوارع لكي يرغموا قادة الكرملين الغارقين في الغش والفساد على احترامهم. وكانت القشة الأخيرة متمثلة في التزوير الفاضح للانتخابات البرلمانية، والذي عزز من شعور المواطنين بأن النظام ينظر إليهم بازدراء. ويشعر الروس بالغضب بشكل خاص إزاء الغطرسة التي يتعامل بها بوتن مع الرئاسة باعتبارها منصباً يمكنه "إعارته" للحلفاء ــ مثل الرئيس الحالي دميتري ميدفيديف ــ ثم استرداده وقتما يشاء.

ولكن على الرغم من الاحتجاجات الواسعة النطاق في موسكو، وسانت بطرسبورج، وغير ذلك من المدن الروسية، فإن السلطات رفضت مطالبة المتظاهرين بإلغاء نتائج الانتخابات. ولقد بات من الواضح على نحو متزايد أن بوتن سوف يمضي ستة أعوام أخرى كحاكم لروسيا بأي وسيلة كانت.

ولكن ماذا قد يعني تولي بوتن لفترة رئاسية أخرى بالنسبة لروسيا؟

الواقع أن بوتن، المحصن ضد المنافسة السياسية الحقيقية، من غير الممكن أن يعود إلى الكرملين باعتباره "الرئيس الأمل" كما وصف نفسه في عام 2000، في بداية ولايته الأولى. فضلاً عن ذلك فإنه لم يعد شبيهاً ببوتن "الزعيم الوطني"، الذي نجح أثناء فترة ولايته الثانية في إعادة الحياة إلى الدولة وأشرف على الازدهار الاقتصادي.

من يكون بوتن في فترة ولايته الثالثة إذن؟ وكيف قد يستخدم الصلاحيات الهائلة الممنوحة للرئيس الروسي في ظل نظام سياسي يفتقر إلى أي شكل حقيقي من أشكال الضوابط والتوازنات؟

إن أحاديث بوتن ومقالاته في فترة ما قبل الانتخابات توحي بإجابة مشئومة: فإن رئاسته سوف تستند إلى سوء فهم حقيقي لبنية العلاقات الدولية المعاصرة، والأسواق، والديمقراطية، وسوف تكون مدفوعة باعتباره لنفسه الزعيم المخَلِّص، حيث تتعايش الدعوة إلى الليبرالية مع عقيدة هيمنة الدولة، وحيث تتفوق الشعوبية المنتفخة على الاهتمام بالتعقيدات والاختيارات الصعبة.

الواقع أن بوتن ليس لديه ما قد يقدمه للروس بعيداً عن خطابته السوقية المبتذلة. فهو لم يعد يفهم المشاكل التي تواجهها البلاد، وبالتالي فهو لا يعرف ما الذي ينبغي له أن يقوم به. وهو لا يشعر بأي قدر من القلق إزاء الضرر الذي ينذر به حكمه الفاسد بالنسبة لمستقبل روسيا. وفي فترة ولاية بوتن الثالثة سوف تكون الغلبة للحكم بالغريزة والرغبة، وليس العقل وضبط النفس.

لا شك أن بوتن سوف يبدأ فترة ولايته الجديدة بكلام مخلص عن التجديد والتنمية والديمقراطية وآفة الفساد. بل وربما يقدم بعض الإشارات الرمزية، مثل فصل نفسه عن الشخصيات السياسية والإعلامية غير المقبولة، أو قد يُظهِر بعض اللين في التعامل مع هؤلاء الذين وضعهم وراء القضبان عقاباً لهم على معارضته. ولكن كل هذا سوف يكون الهدف منه الحفاظ على السلطة السياسية، وليس إصلاحها.

الواقع أن الكرملين أنتج الكثير من الأحاديث السامية عن الحرية والتحديث في الأعوام الأخيرة. ولكن في غياب الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ التغييرات المطلوبة، فإن مثل هذه الوعود محكوم عليها بأن تظل مجرد وعود. والمشكلة هنا أن مبدأ المنافسة الحرة النزيهة الذي أصبح سمة مميزة للعالم المتقدم يُعَد أداة للتخريب في الدولة الروسية التي بناها بوتن ــ الدولة التي تقوم على الدمج بين الحكومة وعالم المال والأعمال.

ونتيجة لهذا، فحتى لو ظهرت إرادة التغيير على نحو مفاجئ أشبه بالمعجزة في الكرملين اليوم، فإن عدم شرعية الحكومة الفيدرالية كفيل بتحويل عملية صنع القرار السياسي إلى أمر شبه مستحيل. فبدلاً من صياغة وتنفيذ الإصلاحات الشاملة والشفافة، لن تجد الحكومة أمامها خياراً غير الاستمرار في تدليل أصحاب المصالح الخاصة.

ولا ينبغي لأحد أن ينخدع بأي تنازلات قد يقدمها الكرملين. فلن يكسب الليبراليون أي شيء من خيانة ضمائرهم ومباركة ولاية بوتن الثالثة. فكما حدث من قبل، لن يحصلوا على سلطة حقيقية في المقابل، وسوف تظل إمكانية حدوث أي تغيير حقيقي من داخل بنية السلطة القائمة ضئيلة للغاية. وسوف تظل الخطوات التي تتخذها السلطات لتهدئة الرأي العام مصحوبة بضغوط متزايدة على المعارضة ومنظمات المجتمع المدني.

في الأشهر التالية لعودة بوتن إلى الرئاسة، سوف يتوقف الكثير على المجتمع المدني في روسيا وقادة حركة الاحتجاج. ويتعين على الروس أن يحرصوا على صياغة مجموعة من المطالب السياسية المحددة. وينبغي لهم أن يصروا على تغييرات حقيقية وجذرية ــ وليس التحسينات التجميلية ــ للنظام السياسي في روسيا. ويتلخص الهدف الرئيسي الآن في السعي إلى عقد انتخابات حرة ونزيهة تفضي في النهاية إلى حكومة شرعية ومسؤولة.

إن قائمة القضايا الملحة التي تواجه روسيا طويلة بالفعل، ولم يعد من الجائز تأجيل حل هذه القضايا. ولكن ما دام بوتن مهيمناً على الأحداث فإن هذه القائمة سوف تستمر في النمو.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured