Saturday, October 25, 2014
0

موت أمـة

إن بلجيكا بلد مهدد بالانهيار. فلأكثر من ستة أشهر الآن ظلت الدولة عاجزة عن تشكيل حكومة قادرة على توحيد الولونيين الناطقين باللغة الفرنسية (32%) والفلمنكيين الناطقين باللغة الهولندية (58%). والآن يحاول ملك بلجيكا ألبرت الثاني يائساً منع رعاياه من تفتيت الدولة.

ولكن باستثناء الملك (الذي قد يكون عاطلاً عن العمل) فهل يبالي أحد؟ أجل، الولونيون يبالون. فرغم أن البلجيكيين الناطقين بالفرنسية هم الذين بدءوا الثورة الصناعية الأوروبية في القرن التاسع عشر، إلا أنهم الآن يقيمون في منطقة صناعية قديمة محرومة ويعيشون على الإعانات الفيدرالية التي يأتي أغلبها من أموال الضرائب التي يسددها الفلمنكيون الميسورون. كما يبالي أيضاً بعض الهولنديين الحالمين من جناح اليمين، والذين يتطلعون إلى توحيد منطقة الفلاندرز والأرض الهولندية الأم.

ولكن من المؤسف أن الفلمنكيين لا يرغبون في ذلك. فقد أصبحت بلجيكا دولة مستقلة في العام 1830، وكان الغرض من ذلك تحرير الفلمنكيين الكاثوليك على وجه التحديد، وأيضاً الولونيين، من اعتبارهم رعايا من الدرجة الثانية في مملكة هولندية بروتستنتية.

ولكن ربما ينبغي علينا جميعاً أن نهتم، وذلك لأن ما يجري في بلجيكا غير عادي، إلا أنه ليس بالأمر الفريد على الإطلاق. فقد انفصل التشيك عن السلوفاك بالفعل، كما حدث نفس الشيء مع الشعوب المختلفة في يوغوسلافيا. والعديد من أهل الباسك يتمنون الانفصال عن أسبانيا، وأيضاً العديد من الكاتلانيين. ويود أهل كورسيكا أن يتخلصوا من فرنسا، كما يود العديد من الاسكتلنديين أن يتخلصوا من بريطانيا.

وهناك بالطبع مشكلة التيبت في الصين، ومشكلة الشيشان في روسيا، وغير ذلك من المشاكل الشبيهة. لا شك أن بعض هذه الشعوب قد تكون قادرة على الحياة والبقاء في أفضل حال بعد استقلالها، ولكن التاريخ يؤكد أن التأثير التراكمي المترتب على تفكك الدول نادراً ما يكون إيجابياً.

يشير الانفصاليون البلجيك دوماً إلى أن بلجيكا لم تكن قط دولة قومية طبيعية، وأنها كانت مجرد مصادفة تاريخية. بيد أن هذه هي حال العديد من الدول، إن لم يكن أغلبها. فالمصادفة في حالة بلجيكا تُـرجَع عادة إلى أوائل القرن التاسع عشر، كنتيجة لانهيار إمبراطورية نابليون الأوروبية والغطرسة الهولندية. إلا أننا نستطيع في الواقع أن نُـرجِع المصادفة إلى القرن السادس عشر، حين تمسك إمبراطور هابسبورغ بجنوب هولندا (بلجيكا اليوم) بينما انفصلت الأقاليم البروتستنتية في الشمال.

ولكن نشأة الدول القومية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت مرتبطة عادة بتحقيق مصالح مشتركة أقوى وأسمى من أي اختلافات ثقافية أو عرقية أو لغوية أو دينية. وهذا يصدق على إيطاليا وبريطانيا بقدر ما يصدق على بلجيكا.

المشكلة الآن أن المصالح اختلفت، أو على الأقل لم تعد مشتركة. فالاتحاد الأوروبي الذي يسعى بفاعلية ونشاط إلى دعم المصالح الإقليمية كان سبباً في إضعاف سلطة الحكومات الوطنية. وكما يقول الاسكتلنديون: ampquot;لماذا نعتمد على لندن ما دامت بروكسيل تعرض علينا مزايا أعظم؟ampquot;.

حين لا تصبح الغلبة للمصالح المشتركة فهذا يعني تصاعد أهمية اللغة والثقافة. فمن بين الأسباب التي تجعل البلجيكيين الفلمنكيين يكرهون اضطرارهم لمساعدة الولونيين بأموال ضرائبهم أنهم ينظرون إليهم وكأنهم أجانب. وأغلب القارئين الفلمنكيين لا يقرأون الصحف الصادرة باللغة الفرنسية أو الروايات الفرنسية، وأغلب الناطقين بالفرنسية لا يقرأون الصحف الفلمنكية أيضاً. هذا فضلاً عن انفصال محطات التلفاز، والمدارس، والجامعات، والأحزاب السياسية.

وعلى نفس المنوال، لا يحب الإيطاليون الشماليون استخدام الأموال التي يسددونها للضرائب في مساعدة جنوب إيطاليا، إلا أن الشمال والجنوب يشتركان على الأقل في لغة واحدة، فضلاً عن نجوم التلفاز، وفريق كرة القدم الوطني، و سيلفيو بيرلسكوني . أما البلجيكيون فلا يشتركون إلا في الملك، الذي ينحدر من أصل ألماني، مثله كمثل أغلب ملوك أوروبا.

ولكن مرة أخرى، لماذا نهتم إلى هذا الحد بتلك المسألة؟ ألا نشعر بالتعاطف مع أهل التيبت في نضالهم من أجل الحرية؟ لماذا إذاً ننكر على الفلمنكيين سعيهم إلى الانفصال؟

إن الأمر يختلف حين نناصر قوماً تضطهدهم حكومة استبدادية. والحقيقة أن أهل التيبت معرضون حقاً لخطر ضياع ثقافتهم. ولكن الأمر يصبح أكثر إزعاجاً حين يختار الناس تفكيك دولة قومية لأنهم يكرهون أن يشاركهم غيرهم في ثرواتهم لأسباب لغوية أو عرقية.

وإذا كان المواطنون الفلمنكيون يكرهون أن تذهب أموال ضرائبهم إلى الولونيين، فماذا عن مساعدة المهاجرين العاطلين عن العمل القادمين من أفريقيا، التي امتلك البلجيكيون أجزاءً شاسعة منها ذات يوم واستغلوها كمصدر رئيسي لرخائهم الحالي؟ لا ينبغي لنا أن نندهش حين نعلم أن الحزب الوطني الفلمنكي يعادي المهاجرين أيضاً.

كل ما سبق يعني أن مصير البلجيكيين لابد وأن يهم كل الأوروبيين، وبصورة خاصة هؤلاء الذين يرجون الخير للاتحاد الأوروبي. إذ أن ما يحدث في بلجيكا الآن قد يحدث على نطاق القارة بالكامل.

فما الذي يدفع الألمان الأثرياء على سبيل المثال إلى الإسهام بأموال ضرائبهم في مساعدة اليونانيين أو البرتغاليين؟ إنه لمن العسير أن ندعم أي نظام ديمقراطي، سواء على الصعيد الوطني أو الأوروبي، دون التحلي بالرغبة في التضامن. وقد يكون من العوامل المساعدة أن يقوم التضامن على شيء أكثر عمقاً من المصالح المشتركة: مثل اللغة أو التاريخ المشترك، أو الفخر بالإنجازات الثقافية. ولكن يبدو أن الهوية الأوروبية ما زالت بعيدة عن التماسك.

ربما لم يعد بين المواطنين البلجيكيين ما يكفي من العناصر المشتركة اللازمة للجمع بينهم، وربما تتحسن أحوال الفلمنكيين والولونيين بالطلاق. إلا أننا لا نتمنى أن يحدث ذلك، فالطلاق لا يخلو أبداً من الآلام. والنـزعة القومية العرقية تطلق العنان لمشاعر تكاد تكون غير مرغوبة في كل الأحوال.

نحن جميعاً نعلم تمام العلم ما حدث حين تركنا للعِرق والأرض تقرير السياسات الأوروبية من قبل. ولكن يبدو ��لأمر وكأن الاتحاد الأوروبي الآن يشجع عن دون قصد نفس القوى التي كان الهدف من تصميم الوحدة الأوروبية في مرحلة ما بعد الحرب يتلخص في احتوائها.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured