Tuesday, September 2, 2014
9

عشرة أسباب للأمل في أوروبا

باريس ــ يعتقد العديد من المحللين الآن أن اليورو لن يتمكن من النجاة بسبب الطبقة السياسية الفاشلة في اليونان أو المستويات المتصاعدة من البطالة في أسبانيا، ويقولون: انتظروا بضعة أشهر أخرى، فقد بدأ انهيار الاتحاد الأوروبي الحتمي.

إن النبوءات الكئيبة لا تتحقق غالبا، ولكنها قد تصبح ذاتية التحقق أيضا. وعلينا أن نتحرى بعض الصدق هنا: إن لعب دور كاسندرا (من يتنبأ بالكوارث) ليس مغرياً فحسب في عالم وسائل الإعلام، حيث "الخبر السار ليس خبرا"؛ بل إنه في واقع الأمر يبدو الآن مبرراً أكثر من أي وقت مضى. فبالنسبة للاتحاد الأوروبي، لم يبد الأمر على هذا القدر من الخطورة من قبل قط.

وفي هذه اللحظة الحرجة بالتحديد بات من الضروري إعادة ضخ الأمل، وقبل كل شيء الحس السليم، إلى المعادلة. لذا، فهذه عشرة أسباب وجيهة تجعلنا نؤمن بأوروبا ــ عشر حجج عقلانية لإقناع المحللين المتشائمين، والمستثمرين القلقين على السواء، بأنه من السابق للأوان كثيراً أن ندفن اليورو والاتحاد الأوروبي بالكلية.

السبب الأول للأمل هو أن الحنكة السياسية بدأت تعود إلى أوروبا، حتى ولو كان ذلك بجرعات من نفس الداء. ومن السابق للأوان أن نتكهن بالتأثير الذي قد يخلفه انتخاب فرانسوا هولاند رئيساً لفرنسا. ولكن في إيطاليا هناك رجل واحد قادر على إحداث الفارق بالفعل، وهو ماريو مونتي.

بطبيعة الحال لم ينتخب أحد مونتي، ومن المؤكد أن موقفه هش ومحل نزاع بالفعل، ولكن هناك شبه إجماع إيجابي سمح له بإطلاق الإصلاحات البنيوية التي طال انتظارها. ومن المبكر للغاية أن نتكهن إلى متى قد يدوم هذا الإجماع، وما هي التغييرات التي قد يجلبها. ولكن إيطاليا، الدولة التي كانت تحت حكم سلفيو بيرلسكوني الفروسي تشكل مصدراً لليأس، تحولت على مصدر للتفاؤل الحقيقي، ولو كان هشا.

والسبب الثاني للإيمان بأوروبا هو أن التقدم في الحكم يأتي مع الحنكة السياسية. فقد عين كل من مونتي وهولاند نساءً في مناصب وزارية مهمة. وبعد تهميشهن لفترة طولية، يجلب النساء معهن الشهية إلى النجاح، وهو ما من شأنه أن يفيد أوروبا.

والسبب الثالث أن الرأي العام الأوروبي استوعب بشكل شبه تام مدى خطوة الأزمة على الأقل. ولا شيء قد يكون أبعد عن الحقيقة من الزعم بأن أوروبا والأوروبيين، ربما باستثناء اليونانيين، في حالة إنكار. وبدون جلاء الفكر المتولد عن اليأس، ما كان مونتي ليصل إلى السلطة في إيطاليا أبدا.

وفي فرنسا أيضا، تحرر المواطنون من الأوهام. وكان تصويتهم لصالح هولاند بمثابة تصويت ضد ساركوزي، وليس ضد التقشف. وهم مقتنعون، وفقاً لاستطلاعات الرأي العام المنشورة حديثا، بأن رئيسهم الجديد لن يتمكن من الوفاء ببعض "وعوده التي لا يمكن الوفاء بها"، ويبدو أنهم يتقبلون هذا باعتباره أمراً حتميا.

ويرتبط السبب الرابع للأمل بالإبداع الأوروبي. فأوروبا غير محكوم عليها بأن تكون متحفاً لماضيها. لا شك أن السياحة مهمة، ومن هذا المنطلق فإن التنوع في أوروبا يشكل مصدراً فريداً للجذب. ولكن هذا التنوع يشكل أيضاً مصدراً للإبداع والابتكار. فمن السيارات الألمانية إلى السلع الترفية الفرنسية، لا ينبغي لنا أن نستخف بالقدرة التنافسية التي تتمتع بها الصناعات الأوروبية.

إن اللحظة التي تؤمن أوروبا فيها بنفسها حقاً كما تفعل ألمانيا، وتجمع بين التخطيط الاستراتيجي للأمد البعيد والتخصيص الجيد للاستثمار في مشاريع البحث والتطوير، سوف تكون لحظة فارقة حقا. والواقع أن أوروبا في بعض المجالات الرئيسية تحافظ على تقليد معترف به عالمياً في الامتياز المرتبط بثقافة بالغة العمق من الجودة.

ويتسم المصدر الخامس للتفاؤل بالتناقض بعض الشيء. كانت التجاوزات القومية تميل عادة إلى دفع أوروبا إلى حروب مأساوية. ولكن عودة النعرات القومية على أوروبا اليوم تخلق شعوراً بالمضاهاة والمنافسة، وهو الشعور الذي أثبت فعاليته في نهضة آسيا بالأمس القريب. فكان الكوريون والصينيون والتايوانيون راغبين في محاكاة اليابان في جودة الأداء. وعلى نفس النحو، سوف تأتي اللحظة قريباً عندما يجد الفرنسيون في أنفسهم الرغبة لمحاكاة ألمانيا.

ويرتبط السبب السادس بطبيعة النظام السياسي في أوروبا. فقد انتشر قول تشرشل المأثور بأن الديمقراطية هي أسوأ نظام سياسي، مع استثناء كل مقولاته الأخرى، على مختلف أنحاء القارة. ولقد صوت أكثر من 80% من المواطنين الفرنسيين في الانتخابات الرئاسية. وبينما كانوا يشاهدون على شاشات التلفاز الانتقال السلمي المهيب الشفاف للسلطة من الرئيس الذي ألحقوا به الهزيمة إلى الرئيس الذي انتخبوه، فما كان للمواطنين الفرنسيين إلا أن يشعروا بالرضا عن أنفسهم وبتميزهم بالحياة في دولة ديمقراطية. ولعل الأوروبيين يشعرون بالارتباك والحيرة وعدم الفعالية، والبطء في اتخاذ القرارات، ولكن الديمقراطية تظل تشكل جداراً من الاستقرار ضد التقلبات الاقتصادية وغيرها من أسباب عدم اليقين.

ويرتبط السبب السابع للإيمان بأوروبا بعالمية رسالتها ولغاتها. فقِلة من الناس يحلمون بأن يصبحوا صينيين، أو بأن يتعلموا لغاتها العديدة غير اللغة الصينية الشمالية. وعلى النقيض من هذا فإن اللغات الإنجليزية والأسبانية والفرنسية، والألمانية على نحو متزايد، أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية.

وبعيداً عن العالمية يأتي العامل الثامن الذي يدعم بقاء الاتحاد الأوروبي: التعددية الثقافية. صحيح أن هذا النموذج محل جدال، ولكن التعددية الثقافية أقرب إلى كونها مصدراً للقوة وليس الضعف. والواقع أن التحام الثقافات في القارة يجعل مواطنيها أكثر ثراءً وليس أكثر فقرا.

وينبع السبب التاسع من أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدد وغيرهم من الأعضاء المنتظرين. فبولندا، البلد الذي ينتمي إلى "أوروبا الجديدة"، يكافئ الاتحاد الأوروبي بالشرعية التي اكتسبها من أوروبا أثناء المرحلة الانتقالية بعد سقوط الشيوعية. وجاء انضمام كرواتيا وفي أعقابها جمهورية الجبل الأسود وعدد قليل من دول البلقان الأخرى بمثابة التعويض عن خروج اليونان (إذا اختار اليونانيون هذا).

أخيرا، وفي المقام الأول من الأهمية، لابد أن ندرك أن أوروبا والعالم ليس لديهما أي بديل أفضل. فربما ترغم الأزمة اليونانية أوروبا على التحرك نحو قدر أعظم من التكامل، سواء في وجود اليونان أو بدونها. ويتحدث الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس عن "الواقع الانتقالي" ــ وهو مصطلح معقد لواقع بسيط: فإذا انقسمنا نسقط، وإذا توحدنا بطريقتنا الخاصة المعقدة، فقد نتنافس على "العظمة" في أسمى معانيها.

لا شك أن المستثمرين حريصون على التحوط في رهاناتهم. فبعد أن غامروا بنجاح في دول ناشئة غير ديمقراطية بدأت هشاشتها في إثارة مخاوفهم، بدأ بعضهم في إعادة استكشاف أوروبا. وقد يكون هؤلاء هم الأكثر حكمة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (9)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedPascal Lieblich

    Mr. Moisi's article is unfortunately making me less, rather than more optimistic about the European enterprise ...

    With regard to the multiculturalism factor raised in the article, hasn't the political integration project, i.e. the creation of a European polity and identitity, faltered because of the emphasis on the need of a multicultural society and in particular the continuous efforts to add Turkey as a member state while it was clear that the citizens of few core states supported this move? (see f.eg., "Why not Turkey? Attitudes towards Turkish membership" , http://tinyurl.com/88swcly)


    Rather than allowing European integration time to deepen, haven't the leaders of the European Union try to shove their definition of a multicultural society down the throats of the Union's citizens? Europe has expanded too much, too quickly in every possible geographic direction. (Worse, the purpose of the expansion was nearly all economic reasons, but that on a side-note). The rapid expansion and emphasis on including Turkey as a member state has slowed down the process of political and fiscal integration, making it now much more difficult to devise appropriate solutions at the European federal level to current problems.

  2. CommentedPaul Ruckert

    Given recent developments, Professor Moisi is clearly fighting an uphill battle with this article. That said, if these are the 10 best reasons to be optimistic, then count me a pessimist.

  3. CommentedShan Jun Chang

    Hmm, let us examine the reasoning here. "Multiculturalism is a disputed model. But it is good. I'm not going to give you any reasons why, it just is, so there. Now, in my final sentence I'm simply going to restate the assertion with different adjectives".

  4. CommentedAndreas Psaras

    The approach of Zsolt Hermann, in his comment, is more to the point as well as to “What Needs to Be Done” taking the global view

  5. CommentedAndreas Psaras

    An interesting analysis by Dominique Moisi, irrespective of an inadequate understanding, in my view, of the Greek misfortune and the positive that can come out of it for the whole of Europe. When and if Europe matures to a level that allows effective solution to the “Greek problem” that is actually not only a Greek problem but also a European and systemic problem of the present economic system, then Europe will move forward.

  6. CommentedProcyon Mukherjee

    As an outsider in Europe, I had been privy to the transformational process at the back of a severe crisis in the period 2007 to 2011. I had seen how Europe reacts, specially Germany and Switzerland, and how the others like Italy and Spain seem like fence sitters, while France is embroiled in its own historicity, for better or for worse. The bondage that came from instincts of trade did not move beyond the confines of the narrow objective. I am not sure what the future holds for this ensemble if it does not go beyond the instincts of trade; evolution of a polity that takes the good with the bad and blends is what humanity makes as a difference, where instincts of trade fails.

    Procyon Mukherjee

  7. CommentedZsolt Hermann

    There is only one truly compelling reason why the European Union needs to survive, improve and provide example for the rest of the world:
    Today we evolved into a global, integral and interdependent humans system where we are all connected by multiple ties. There is no individual or nations that could break away or sustain itself.
    In such a system only a supra national democratic alliance can provide a foundation for a sustainable future.
    In fact if we examine our lives honestly and in detail we already live in a supra national network but our selfish egoistic tendencies manifesting especially in the field of politics, finances, and the media exploit old, historic rejections, hatred for self gain and profit not allowing the natural integration to take part.
    Thus the reasons the article places hope on are mostly not valid.
    Instead of individual statesmanship we need a team of visionary, transparent and selfless, elected public representatives who fulfill the expression "serving" the public above nations and individual benefit for the sake of the whole.
    Instead of European creativity in the form of luxury goods that are excessive and unnecessary, even harmful, we need European creativity in creating a fully integrated multi-national Union above all the cultural characteristics and differences while keeping them and uniting above them.
    Instead of self serving national democracies (which have not been working as true democracies serving the public for a very long time) we need a supra national democracy keeping the well being of the whole Union as priority.
    With the last reason, necessity/no other alternative, I agree with, as the article says: "divided we fall, whereas united, in our own complex manner, we may strive for “greatness” in the best sense."
    But this can only be achieved through a full integration with mutual responsibility, truly becoming a single Union.

      CommentedShan Jun Chang

      I think this analysis is rather shallow; surely the reason we don't simply enter into further union isn't that individual politicians and the finance sector are preserving the status quo for self gain; it's that in order to do so we'd have to cede more of our national sovereignty than we're comfortable with. In general, we identify more strongly with our own nations and believe that our interests are more likely to be served if our own government can act autonomously, and I would think that our politicians have the same reasoning. Don't you think this is a better reason than simply asserting, as usual, that blame lies at the feet of the greedy media, political class and financial sector?

      CommentedJohn-Albert Eadie

      I could not have put things as well as M. Hermann. I would add, that after truly becoming a union, Europe must then lead the rest of us into global unity. Because the globe itself is in dire straits. This is poisonous thinking to much of America, nevertheless it is true, and the quicker we get to being led by virtue, in the people and in their government, the sooner we will avoid incineration. Europe has to be where it happens first. Some time ago thinkers in Canada thought that it was a place to demonstrate unity in multiculturalism but I thought at the time, no, plainly it is Europe. Look at Canada today - we have a mini-Hitler, so it is certainly not happening here for some time. Very sorry for straying from the topic, except in a deep sense, I think I have not.

      CommentedCaitlin Luview

      #2: "Monti and Hollande have both appointed women to key ministerial positions. Marginalized for so long, women bring an appetite for success that will benefit Europe."

      To be clear, I don't think "marginalized women" seeking success in an old system of overconsumption is a benefit to Europe or the world. Although women can provide a new view, it is too little, too late.

      I find it interesting what a commenter here, Zsolt Hermann says, "Instead of individual statesmanship we need a team of visionary, transparent and selfless, elected public representatives who fulfill the expression "serving" the public above nations and individual benefit for the sake of the whole."

      This sounds to me like a similar definition to what motherhood is. If a team of people with the characteristics Zsolt has described can be assembled to steward the true needs and best benefit of the world through care, concern, and compassion in our relationships with one another (as a mother does her vital best to provide for and bring up her child), the world can start repairing and coming out of crisis as we each work to change our relationships into positive care.

      We are one global, interdependent and integral human family. When will we forge policy and practice that leads our human family into conducting our daily lives, attitudes, decisions, and actions in ways that provide the ability for every single human being on the planet to flourish and contribute their vitalness? Europe, within a union, has the chance to model greatness in cooperation and mutual care and concern to the entire world, for the good of all humanity. I so hope for it to rise to this challenge and opportunity... and soon!

  8. CommentedAndrés Arellano Báez

    If this are the ten best reasons to believe in Europe, the true is that "the Eurpean Union's irresistible collapse has started".

Featured