12

عشرة أسباب للأمل في أوروبا

باريس ــ يعتقد العديد من المحللين الآن أن اليورو لن يتمكن من النجاة بسبب الطبقة السياسية الفاشلة في اليونان أو المستويات المتصاعدة من البطالة في أسبانيا، ويقولون: انتظروا بضعة أشهر أخرى، فقد بدأ انهيار الاتحاد الأوروبي الحتمي.

إن النبوءات الكئيبة لا تتحقق غالبا، ولكنها قد تصبح ذاتية التحقق أيضا. وعلينا أن نتحرى بعض الصدق هنا: إن لعب دور كاسندرا (من يتنبأ بالكوارث) ليس مغرياً فحسب في عالم وسائل الإعلام، حيث "الخبر السار ليس خبرا"؛ بل إنه في واقع الأمر يبدو الآن مبرراً أكثر من أي وقت مضى. فبالنسبة للاتحاد الأوروبي، لم يبد الأمر على هذا القدر من الخطورة من قبل قط.

وفي هذه اللحظة الحرجة بالتحديد بات من الضروري إعادة ضخ الأمل، وقبل كل شيء الحس السليم، إلى المعادلة. لذا، فهذه عشرة أسباب وجيهة تجعلنا نؤمن بأوروبا ــ عشر حجج عقلانية لإقناع المحللين المتشائمين، والمستثمرين القلقين على السواء، بأنه من السابق للأوان كثيراً أن ندفن اليورو والاتحاد الأوروبي بالكلية.

السبب الأول للأمل هو أن الحنكة السياسية بدأت تعود إلى أوروبا، حتى ولو كان ذلك بجرعات من نفس الداء. ومن السابق للأوان أن نتكهن بالتأثير الذي قد يخلفه انتخاب فرانسوا هولاند رئيساً لفرنسا. ولكن في إيطاليا هناك رجل واحد قادر على إحداث الفارق بالفعل، وهو ماريو مونتي.

بطبيعة الحال لم ينتخب أحد مونتي، ومن المؤكد أن موقفه هش ومحل نزاع بالفعل، ولكن هناك شبه إجماع إيجابي سمح له بإطلاق الإصلاحات البنيوية التي طال انتظارها. ومن المبكر للغاية أن نتكهن إلى متى قد يدوم هذا الإجماع، وما هي التغييرات التي قد يجلبها. ولكن إيطاليا، الدولة التي كانت تحت حكم سلفيو بيرلسكوني الفروسي تشكل مصدراً لليأس، تحولت على مصدر للتفاؤل الحقيقي، ولو كان هشا.

والسبب الثاني للإيمان بأوروبا هو أن التقدم في الحكم يأتي مع الحنكة السياسية. فقد عين كل من مونتي وهولاند نساءً في مناصب وزارية مهمة. وبعد تهميشهن لفترة طولية، يجلب النساء معهن الشهية إلى النجاح، وهو ما من شأنه أن يفيد أوروبا.

والسبب الثالث أن الرأي العام الأوروبي استوعب بشكل شبه تام مدى خطوة الأزمة على الأقل. ولا شيء قد يكون أبعد عن الحقيقة من الزعم بأن أوروبا والأوروبيين، ربما باستثناء اليونانيين، في حالة إنكار. وبدون جلاء الفكر المتولد عن اليأس، ما كان مونتي ليصل إلى السلطة في إيطاليا أبدا.

وفي فرنسا أيضا، تحرر المواطنون من الأوهام. وكان تصويتهم لصالح هولاند بمثابة تصويت ضد ساركوزي، وليس ضد التقشف. وهم مقتنعون، وفقاً لاستطلاعات الرأي العام المنشورة حديثا، بأن رئيسهم الجديد لن يتمكن من الوفاء ببعض "وعوده التي لا يمكن الوفاء بها"، ويبدو أنهم يتقبلون هذا باعتباره أمراً حتميا.

ويرتبط السبب الرابع للأمل بالإبداع الأوروبي. فأوروبا غير محكوم عليها بأن تكون متحفاً لماضيها. لا شك أن السياحة مهمة، ومن هذا المنطلق فإن التنوع في أوروبا يشكل مصدراً فريداً للجذب. ولكن هذا التنوع يشكل أيضاً مصدراً للإبداع والابتكار. فمن السيارات الألمانية إلى السلع الترفية الفرنسية، لا ينبغي لنا أن نستخف بالقدرة التنافسية التي تتمتع بها الصناعات الأوروبية.

إن اللحظة التي تؤمن أوروبا فيها بنفسها حقاً كما تفعل ألمانيا، وتجمع بين التخطيط الاستراتيجي للأمد البعيد والتخصيص الجيد للاستثمار في مشاريع البحث والتطوير، سوف تكون لحظة فارقة حقا. والواقع أن أوروبا في بعض المجالات الرئيسية تحافظ على تقليد معترف به عالمياً في الامتياز المرتبط بثقافة بالغة العمق من الجودة.

ويتسم المصدر الخامس للتفاؤل بالتناقض بعض الشيء. كانت التجاوزات القومية تميل عادة إلى دفع أوروبا إلى حروب مأساوية. ولكن عودة النعرات القومية على أوروبا اليوم تخلق شعوراً بالمضاهاة والمنافسة، وهو الشعور الذي أثبت فعاليته في نهضة آسيا بالأمس القريب. فكان الكوريون والصينيون والتايوانيون راغبين في محاكاة اليابان في جودة الأداء. وعلى نفس النحو، سوف تأتي اللحظة قريباً عندما يجد الفرنسيون في أنفسهم الرغبة لمحاكاة ألمانيا.

ويرتبط السبب السادس بطبيعة النظام السياسي في أوروبا. فقد انتشر قول تشرشل المأثور بأن الديمقراطية هي أسوأ نظام سياسي، مع استثناء كل مقولاته الأخرى، على مختلف أنحاء القارة. ولقد صوت أكثر من 80% من المواطنين الفرنسيين في الانتخابات الرئاسية. وبينما كانوا يشاهدون على شاشات التلفاز الانتقال السلمي المهيب الشفاف للسلطة من الرئيس الذي ألحقوا به الهزيمة إلى الرئيس الذي انتخبوه، فما كان للمواطنين الفرنسيين إلا أن يشعروا بالرضا عن أنفسهم وبتميزهم بالحياة في دولة ديمقراطية. ولعل الأوروبيين يشعرون بالارتباك والحيرة وعدم الفعالية، والبطء في اتخاذ القرارات، ولكن الديمقراطية تظل تشكل جداراً من الاستقرار ضد التقلبات الاقتصادية وغيرها من أسباب عدم اليقين.

ويرتبط السبب السابع للإيمان بأوروبا بعالمية رسالتها ولغاتها. فقِلة من الناس يحلمون بأن يصبحوا صينيين، أو بأن يتعلموا لغاتها العديدة غير اللغة الصينية الشمالية. وعلى النقيض من هذا فإن اللغات الإنجليزية والأسبانية والفرنسية، والألمانية على نحو متزايد، أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية.

وبعيداً عن العالمية يأتي العامل الثامن الذي يدعم بقاء الاتحاد الأوروبي: التعددية الثقافية. صحيح أن هذا النموذج محل جدال، ولكن التعددية الثقافية أقرب إلى كونها مصدراً للقوة وليس الضعف. والواقع أن التحام الثقافات في القارة يجعل مواطنيها أكثر ثراءً وليس أكثر فقرا.

وينبع السبب التاسع من أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدد وغيرهم من الأعضاء المنتظرين. فبولندا، البلد الذي ينتمي إلى "أوروبا الجديدة"، يكافئ الاتحاد الأوروبي بالشرعية التي اكتسبها من أوروبا أثناء المرحلة الانتقالية بعد سقوط الشيوعية. وجاء انضمام كرواتيا وفي أعقابها جمهورية الجبل الأسود وعدد قليل من دول البلقان الأخرى بمثابة التعويض عن خروج اليونان (إذا اختار اليونانيون هذا).

أخيرا، وفي المقام الأول من الأهمية، لابد أن ندرك أن أوروبا والعالم ليس لديهما أي بديل أفضل. فربما ترغم الأزمة اليونانية أوروبا على التحرك نحو قدر أعظم من التكامل، سواء في وجود اليونان أو بدونها. ويتحدث الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس عن "الواقع الانتقالي" ــ وهو مصطلح معقد لواقع بسيط: فإذا انقسمنا نسقط، وإذا توحدنا بطريقتنا الخاصة المعقدة، فقد نتنافس على "العظمة" في أسمى معانيها.

لا شك أن المستثمرين حريصون على التحوط في رهاناتهم. فبعد أن غامروا بنجاح في دول ناشئة غير ديمقراطية بدأت هشاشتها في إثارة مخاوفهم، بدأ بعضهم في إعادة استكشاف أوروبا. وقد يكون هؤلاء هم الأكثر حكمة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel