Monday, November 24, 2014
4

الحدود العقلية للتكنولوجيا

نيودلهي ــ بدءاً بحفل افتتاح دورة لندن للألعاب الأوليمبية، أمضيت الأسابيع القليلة الماضية أتأمل في التاريخ وأنفق الوقت في اجتماعات مع أشخاص يحاولون التكهن بمستقبل وسائل الإعلام الجماهيرية/ووسائل الإعلام الاجتماعية، والصحة والرعاية الصحية، والسفر إلى الفضاء. ثم دُعيت عن طريق الصدفة إلى ملء استبيان لصالح دراسة استقصائية عن المستقبل. متى نتعلم كيف نعالج السرطان؟ ومتى يموت آخر شخص بالملاريا؟ ومتى تشكل السيارات الذاتية القيادة التيار السائد؟

ومن دون قصد (أو على الأقل من دون الإشارة إلى هذا)، سلطت الدراسة الضوء على التمييز بين التعرف على كيفية القيام بشيء ما وبين القيام به فعلياً في العالم ومن أجل العالم. على سبيل المثال، حالات مثل السمنة وسوء صحة الأسنان (ما عليك إلا أن تبحث في جوجل عن "تأثير صحة الأسنان على الصحة العامة")، ليست قابلة للعلاج فحسب؛ بل إن منعها أمر ممكن أيضا. ورغم هذا فإن مثل هذه الأمراض منتشرة وتؤثر على عدد أكبر من الناس مقارنة بالسرطان، أو الملاريا، أو غير ذلك من الأمراض الأكثر "شهرة".

وربما لو فكرنا بنظرة أبعد لكنا نعمل على توجيه قدر أعظم من الاهتمام وتخصيص المزيد من الموارد لاتخاذ تدابير منع الأمراض، وتعزيز التعليم، والخدمات العامة القادرة على رفع الإنتاجية الكلية. والمشكلة هنا أن استخدام التكنولوجيا ليس مسألة قدرة في كل الأحوال؛ بل إن الأمر يشمل أيضاً الضرائب والإنفاق العام، فضلاً عن المفاضلات والتفكير في الأمد البعيد.

ولنتأمل هنا السيارات الذاتية القيادة أو طائرات الركاب الموجهة عن بُعد. تُرى هل تكون الغَلَبة للبيانات العلمية، التي تبين أن السيارات الذاتية القيادة والطائرات الموجهة عن بعد (بمجرد الوصول بها إلى مرحلة الإتقان) تصبح أكثر أماناً من السيارات أو الطائرات التي يقودها البشر، على الثقافة السائدة والقوانين القديمة وغير ذلك من العراقيل؟ بادئ ذي بدء، إذا وقع حادث لسيارة ذاتية القيادة (وسوف يحدث هذا لا محالة)، فعلى كاهل من تقع المسؤولية؟

باختصار، على الرغم من اعتمادنا على العلماء والمهندسين لاختراع الأشياء، فإن شريحة أوسع كثيراً من المجتمع هي التي سوف تقرر ما إذا كانت هذه الأشياء قد تنتشر على نطاق واسع وكيفية دفع ثمنها. وعلى نحو متزايد، أصبح التقدم التكنولوجي يعتمد على هذا الاستعداد الاجتماعي؟

يرجع جزء من عزوفنا هذا إلى أننا لا زلنا نشعر بعدم ارتياح إزاء السماح لآلات باتخاذ القرارات ــ ورغم هذا فهناك بالفعل العديد من القرارات التي يتعين علينا أن نتخذها بأنفسنا. ففي عالمنا البشري، تعني المعرفة والقدرة ضمناً بعض المسؤولية: إذا كنت متين البنيان ورأيت شخصاً أمامك يسير في اتجاه سيارة قادمة، فأنت مسؤول عن سحب ذلك الشخص إلى الأمان. ولكن في عالم حيث أصبح بوسعنا أن نعرف ماذا يحدث في كل مكان طيلة الوقت، فكيف يكون قدر المسؤولية التي نشعر بها ــ أو التي تثقل كواهلنا؟ لقد بدأ العديد من الناس ينسحبون بالفعل. والعالم عامر بالكثير من المشاكل.

لذا، فبالنسبة للأفراد على الأقل قد تكون القيود الشخصية مفيدة، وليست مقيدة فحسب ــ إذا استخدمناها بالشكل اللائق. على سبيل المثال، أي المشاكل التي ترى أنك مجهز بشكل شخصي للتعامل معها؟

قد تكون أموالك مفيدة بقدر أموال أي شخص آخر، ولكن نصيحتك أو مشاركتك سوف تكون أكثر قيمة عندما تركز على مشكلة بعينها أو مجال ما تتمتع فيه بخبرة أو اهتمام فريد، كمرض معين أصاب والدتك على سبيل المثال، أو الافتقار إلى فرص التدريب في مجال عملك. في عالم مقيد، قد توجه مثل هذه الاعتبارات اختيارك لمهنتك؛ وفي عالم غير مقيد، فمن الممكن أن توجه نفس الاعتبارات مهمتك الشخصية.

ينبغي للناس أن يتمتعوا بالحرية إلى أقصى حد ممكن فيما يتصل بملاحقة مهمتهم الخاصة ــ مثل الحشد المتخبط من المؤدين في حفل افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية الأخيرة (مقارنة بحفل افتتاح دورة الألعاب الصينية في عام 2008، والذي اتسم بالتزامن الكامل). في نهاية المطاف، ينظم هؤلاء الأفراد أنفسهم ذاتياً من أجل خلق صناعات جديدة تماما، هيئة الصحة الوطنية، وموسيقى رائعة، بين أمور أخرى.

ولكن بالنسبة للمجتمع ككل، هناك عدد أقل من القيود التكنولوجية لتوجيهنا إلى ما يمكننا القيام به ــ أو منعه. وسوف تكتشف الدول على نحو متزايد أن أولوياتها لابد أن تعكس مشاعر عامة عريضة وليس مشاعر النخبة الحاكمة فحسب. ولكن كافة أشكال البشر قد يستسلمون لإغراء إجراء مفاضلات ضارة، سواء في مقابل متعة زائلة أو سعياً وراء "الجاذبية الجنسية" على حساب القيمة الحقيقية.

على سبيل المثال، ما هي المفاضلات بين مصادر الطاقة النظيفة والتنمية الاقتصادية ــ وهي قضية كبيرة في الهند والعديد من الدول الأخرى؟ فقد يرغب الأغنياء في أن تظل السيارات باهظة الثمن ولا يشاركهم فيها أحد، وهذا يصب في مصلحة آخرين ربما يخافون من السيارات الآلية.

وبصورة أكثر عموما، كيف يمكننا التوصل إلى الإجماع حول مهمة عامة، وكيف نتخذ القرارات إن لم نكن قادرين على اتخاذها؟ إن ترك القرارات لنخبة لا تهتم إلا بمصالحها ليس بالحل الجيد، ولكن هذه أيضاً حال تصويت القاعدة العريضة (الحالي): فمن السهل أن تتأرجح ميول الناس وقد لا يفهمون القضايا بالشكل اللائق، وقد يكون توجههم نحو مصالحهم في الأمد القريب. وفي العديد من الحالات يتسبب هذا في دفع الدول والجماعات إلى التركيز على مصالح ضيقة، على سبيل المثال، من خلال تقييد المساعدات الأجنبية ــ أو بالتركيز على المساعدات عندما تكون الاستثمارات قادرة على تحقيق نتائج أفضل.

والحل الأساسي هنا يتلخص في تحسين التعليم، حتى يصبح قسم أكبر من المواطنين مطلعين بالقدر الذي يسمح لهم باتخاذ قرارات مبنية على حقائق، في حياتهم الشخصية والعامة. فعندما نبدأ في فهم كيفية تكوين نماذج المناخ (وليس من دون تدخل سياسي)، فسوف نبدأ أيضاً في فهم كيفية تكوين نماذج الاقتصاد ــ ومعها المفاضلات التي نواجهها. وليس الأمر أن كل شيء يمكن تلخيصه في سعر ما ــ شهرين من حياة الجد خوان في مقابل أربعة أعوام من ذهاب أليس الصغيرة إلى المدرسة ــ بل إن حتى القرارات القائمة على قيم غير نقدية تؤدي إلى تكاليف وعواقب حقيقية. والأمر الأكثر أهمية على الإطلاق هو أننا عندما نصبح أفضل في تكوين النماذج فسوف نكتشف مدى القيمة التي يمكننا خلقها (وكم التكاليف التي يمكننا تجنبها) من خلال الإنفاق الآن من أج�� خلق مستقبل أفضل.

ولعل أكبر التحديات الثقافية/القيمية على الإطلاق يتخلص في التفكير القصير المدى. ففي مختلف أنحاء كوكب الأرض، نقترب من نوع ما من الفردية، حيث تغازل الأسواق طبائعنا الأساسية القصيرة الأجل، فتعرض علينا الإشباع الفوري والدمار في الأمد البعيد.

أما التعليم فإنه يفعل العكس تماما. فهو يمكننا من تحسين نصيبنا ببناء الأشياء ــ باستخدام النار والحطب أولا، والآن أجهزة الكمبيوتر والآلات ــ للتغلب على قيودنا المادية وخلق التكنولوجيا من أجل تمديد وتحسين حياتنا. ولكن هل تكون الغَلَبة للتكنولوجيا والتعلم، أم أن نقاط ضعفنا الحساسة التي تطورت على مدى فترة طويلة من الزمان قد تتغلب علينا؟

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

    Please login or register to post a comment

    1. CommentedNathan Coppedge

      I am reading a book recently called Moral Machines that is much in the same vein. What it seems to lack is kinetic reasoning, an unfortunate term for a concept that needs to appear at a delicate level. In my view, what is lacking in many perspectives is on the level of a guarantee; what we need is a guarantee so generic that it applies to products, companies, thought-processes, and information. In my view what provides a guarantee is an appropriate use of categories to structure language in particular, fulfilling the neglected promises that fill adolescent hearts and young adult minds. We need a perfectionism that is so generic it can pass for trash when it needs to. In that context, robots, fantasy lives, and advanced computers look like they have something to fish with. My forthcoming book titled The Dimensional Philosopher's Toolkit (The Essential Criticism), scheduled for release in 2013, demonstrates how coherency, polarity, and analogy can be used for great benefit and advantage.

    2. Commentedjames durante

      I'm pretty sue that Dyson understands what she is referring to when she uses the term "singularity." A superhuman, machine intelligence along with the integration of biology and engineering marks the integration of human and technology. Presumably, when that point is reached and passed the issues raised here will be the relatively petty, even infantile concerns of a lesser human type. As we are to the savages so will the singularity be to us.

        CommentedRichard Prins

        It seems to me she's referring to a more general, though related, form of "singularity".

        Cf. Wikipedia:
        The specific term "singularity" as a description for a phenomenon of technological acceleration causing an eventual unpredictable outcome in society was coined by mathematician and physicist Stanislaw Ulam as early as 1958, when he wrote of a conversation with John von Neumann concerning the "ever accelerating progress of technology and changes in the mode of human life, which gives the appearance of approaching some essential singularity in the history of the race beyond which human affairs, as we know them, could not continue."

    3. CommentedA. T.

      Instead of voting to pick the best option (difficult because you have to know everything about all options in order to be able to pick the best one, and because you are judging about things into the future), we should have more power to terminate experiments – to vote against small-scale attempts to do things we end up discovering that we do not like.

    Featured