Saturday, October 25, 2014
0

السودان ومستقبل أفريقيا

جوهانسبرج ـ يقال إن السودان صورة مصغرة لأفريقيا، وهي مقولة صادقة. ولهذا السبب فإن القارة بأكملها سوف تتابع الأحداث في السودان على مدى الأشهر القليلة المقبلة بأعظم قدر من الاهتمام.

ففي التاسع من يناير/كانون الثاني من عام 2011، يذهب شعب جنوب السودان إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بصوته في الاستفتاء الذي ستقرر نتيجته ما إذا كان الجنوب سوف يظل جزءاً من السودان الموحد أو يؤسس دولة جديدة مستقلة. وإذا اختار الجنوب الخيار الثاني فإن الدولة الجديدة سوف تظهر إلى الوجود في التاسع من يوليو/تموز من عام 2011.

أثناء نفس الفترة، وحتى في حين يعالج السودان قضية العلاقات بين شماله وجنوبه، فسوف يكون لزاماً على السودان أن يتوصل إلى اتفاق شامل لإنهاء الصراع في دارفور.

خلال ما يقرب من 55 عاماً من الاستقلال، شهد السودان سلسلة من الصراعات العنيفة، في الجنوب، وفي الغرب (دارفور)، وفي الشرق. ومن المقبول عموماً أن ما يكمن في جذور هذه الصراعات كان فشل السودان المستقل ـ وهو واحد من أكثر بلدان أفريقيا تنوعاً من حيث العرق والدين والثقافة ـ في بناء نظام سياسي مستنير بمبادئ وممارسات الوحدة في التنوع.

ويكاد هذا التحدي يواجه كل بلدان أفريقيا تقريباً بينما تسعى إلى بناء مجتمعات مستقرة ومسالمة. وفي النهاية اندلعت كل الحروب الأهلية وغيرها من الصراعات العنيفة في مرحلة ما بعد الاستعمار في أفريقيا بسبب الفشل في إدارة التنوع الذي تتسم بهذه هذه البلدان على النحو اللائق.

لقد تعلمت أفريقيا من هذه الصراعات أن احتواء الضغوط الطاردة التي تشجع على التشظي والانقسامات داخل دولنا الحديثة نسبيا يتطلب بالضرورة جهداً واعياً لتغذية وترسيخ وإثراء الوحدة الوطنية، ولابد وأن يشتمل هذا الجهد على الممارسات الديمقراطية. ولقد ساعدت هذه الصراعات أيضاً على نقل رسالة لا لبس فيها ومفادها أن تأمين الوحدة والحفاظ عليها أمر مستحيل بالقوة وحدها.

إن ضمان وحدة وسلام الدولة لا يتأتى إلا من خلال احترامنا لتنوعنا ـ الحرص على تمتع كل فئة اجتماعية بحس الانتماء المشترك وليس الشعور بالتهميش والاستبعاد. ولقد تعلم السودان هذه الدروس عبر خبرات عملية قاسية، بما في ذلك الحرب.

منذ فترة طويلة، وبالتحديد في عام 1975، أكد جعفر النميري الرئيس العسكري لدولة السودان، أكد بقدر عظيم من البصيرة والفطنة على ما يتعين على السودان أن يفعل هو وأفريقيا بالكامل لجلب السلام والاستقرار: "إن الوحدة المبنية على التنوع أصبحت تشكل جوهر وعلة وجود الكيان السياسي والوطني في العديد من بلدان أفريقيا الناشئة اليوم. ونحن نفتخر بأن سودان الثورة أصبح بمثابة الجوهر المثالي لهذا الأمل الجديد. فالسودان أكبر بلد في أفريقيا. وهو يقع في قلب القارة وعلى مفترق طرقها. وإن أراضيه الشاسعة تشترك في حدودها مع تسع دول أفريقية. والحدود المشتركة تعني أصول عرقية مشتركة، وثقافات مشتركة وأساليب مشتركة في الحياة والظروف البيئية. وأي متاعب أو مشاكل في السودان سوف تنتشر بالضرورة عبر حدوده والعكس صحيح. وهذا يعني أن السودان المضطرب غير المستقر لن يعمل كحافز للسلام والاستقرار في أفريقيا، والعكس أيضاً صحيح".

من المؤسف أن الفشل في تبني سياسات تقوم على الاحترام الحقيقي لهذا المنظور كان سبباً في انزلاق السودان إلى حربه الثانية المكلفة بين الشمال والجنوب، والتي غذت الصراعات العنيفة في غرب وشرق السودان، وخلقت إمكانية انفصال الجنوب. وفي ضوء هذا التاريخ فمن الواضح أن كلاً من حكومة السودان، وحكومة جنوب السودان ـ فضلاً عن الغالبية الساحقة من الشعب السوداني ـ نالت كفايتها من الحروب وترغب في السلام من صميم قلبها.

والواقع أن العمليات التي تشارك فيها الآن الأطراف السودانية ـ التحضير لاستفتاء جنوب السودان، والمفاوضات الجارية بشأن الترتيبات التالية لمرحلة الاستفتاء، والبحث عن تسوية تفاوضية في دارفور ـ تسترشد جميعها بهذه الرغبة في السلام. ولهذا السبب فإن أفريقيا تتابع التطورات في السودان باهتمام شديد ـ وتتوق إلى رؤية هذا البلد الواقع "في قلب أفريقيا وعند مفترق طرقها" وهو يجسد رؤية النميري.

ولكن بصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء في جنوب السودان، فإن التطورات الوشيكة في السودان سوف تسفر عن تغيرات بالغة الأهمية فيما يتصل بتحديد بنية الدولة السودانية. وفي هذا السياق فقد تقبل طرفا السودان ـ الشمال والجنوب ـ المبدأ المهم المتمثل في إنشاء "دولتين قابلتين للحياة" إذ اختار الجنوب الانفصال.

كما يحدث في كل فترات التغير الكبير والسريع، فإن البلاد سوف تشهد توترات اجتماعية، وقدراً من عدم اليقين وعدم الارتياح. والواقع أن أفريقيا بالكامل متلهفة إلى رؤية التعاون الفعّال من جانب القيادات السودانية في إدارة هذا الموقف الدقيق الحساس، لصالح القارة ككل. وهذا يتطلب أن تتحلى الزعامات السودانية المختلفة بالقدر الكافي من القوة والتماسك من أجل إقناع ناخبيهم بقبول التسوية، وضمان عدم قيام أي طرف من قريب أو بعيد بأي تصرف من شأنه أن يفسد هذه الجهود.

إنه ليصب في مصلحة أفريقيا بالكامل أن ترى شعب السودان يعيش في سلام وتعاون من أجل الصالح المشترك للجميع ـ أن يحترم كل من الشمال والجنوب اختلاف الآخر وألا يهتم بمصالحه الخاصة فحسب، سواء كانت حدود بلد واحد تضمهما أو كان الانفصال مصيرهما. إن السودان الذي يجسد حقاً "الجوهر المثالي" لاحترام التنوع الذي تحدث عنه النميري من شأنه أن يعمل كحافز للسلام والاستقرار في قارتنا.

وإننا لنتمنى أن يكون الهدف الرئيسي للتركيز الدولي المستدام والهائل على ما يجري في السودان توفير الدعم الضروري للشعب السوداني لإعانته على تحقيق هذه الغاية، بما في ذلك بناء دولتين قابلتين للحياة والاستمرار، إذا لزم الأمر.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured