Friday, April 18, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

هاتوا المهرجين

نيويورك ـ هل تعرفون بيبو غريلو ؟ إنه واحد من أكثر الممثلين الهزليين في إيطاليا شهرة. وهو أيضاً واحد من أبرز المعلقين السياسيين في إيطاليا. وتستقبل مدونته على شبكة الإنترنت 160 ألف زائر يومياً، وإذا ما تسنت له الفرصة لترشيح نفسه لمنصب رئيس الوزراء (وهو أمر غير وارد نظراً لسجل سوابقه الجنائية)، فإن أكثر من نصف الناخبين في إيطاليا، طبقاً لاستطلاع أجري في العام الماضي، من المرجح أن يفكروا في التصويت لصالحه.

إن غريلو ليذكرنا بظاهرة حديثة: أو الدور المهم الذي يلعبه الممثلون الهزليون في السياسة المعاصرة. قبل بضع سنوات كان البرنامج التلفزيوني الذي يشاهده أغلب المكسيكيين طلباً للمعلومات السياسية هو برنامج "أخبار الصباح السريعة" ( The Morning Quickie )، والذي كان يذاع من السادسة إلى العاشرة صباحاً. كان مضيف البرنامج والمعلق الرئيسي فيه هو فيكتور تروجيللو ، المشهور بلقب "بروزو المهرج"، وهو يزين نفسه بشعر مستعار أخضر اللون وأنف مطاطي أحمر. وكان بروزو المهرج هو الذي كشف عن فضيحة فساد كبرى في مكتب رئيس مدينة مكسيكو سيتي الأسبق.

وبينما يوجه خبراء التلفاز المخضرمون الأسئلة التافهة المعتادة أثناء المناظرات الرئاسية في الولايات المتحدة، يدرك المرشحون أن الأمر المهم حقاً يتلخص في استخلاص الضحكات من مشاهدي البرامج الكوميدية التي يقدمها ديفيد ليترمان أو جاي لينو . ولأعوام عديدة كان الليبراليون الأميركيون يتطلعون إلى جون ستيوارت ، وهو أحد أصحاب المواهب الكوميدية، طلباً للتعليقات السياسية الانتقادية.

مما لا شك فيه أن الترفيه الهزلي في مجال السياسة ليس مجرد ظاهرة حديثة. فقد كان نيرو حاكم روما القديمة قاتلاً يدرك مدى أهمية الترفيه عن الجماهير لكسب التأييد الشعبي. ثم هناك التقليد القديم الذي سُـمِح بموجبه لمهرجي البلاط بانتقاد الأمراء والملوك المستبدين عن طريق تغطية تعليقاتهم اللاذعة بالنكات. والحقيقة أن عشاء نادي غريديرون السنوي في واشنطن، حيث تهجو الصحافة الرئيس، يشكل أثراً من بقايا تلك العادة.

في الولايات المتحدة بصورة خاصة، كانت الحدود بين العمل الاستعراضي والسياسة (أو الدين في الواقع) غير واضحة على الإطلاق. حتى أن أوجه التشابه بين المنوعات الترفيهية والاجتماعات الإنجيلية البروتستانتية والمؤتمرات الحزبية، واضحة إلى حد مذهل.

يعشق الأوروبيون السخرية من المهرجانات السياسية الأميركية باعتبارها سوقية ومبتذلة على نحو ميئوس من علاجه. والحقيقة أن الديمقراطية تتطلب درجة من الاستعراض والإثارة؛ إذ أن الساسة يحتاجون إلى استمالة القاعدة العريضة من الناخبين، وليس فقط أهل الصفوة، القادرين على تجاهل العوام. أما القدرة على التحدث لساعات وقتل الناس مللاً دون الانتباه إلى قيمة الترفيه عنهم، فهي ميزة يتسم بها الحكام المستبدون. ووحدهم الحكام الشيوعيون كانوا قادرين على إرغام الملايين من الناس على شراء أعمالهم الكاملة، العامرة بالأفكار الجامدة المكتوبة بأسلوب نثري طنان.

المشكلة هنا هي أن العديد من الساسة الديمقراطيين اليوم أصبحوا على نفس القدر تقريباً من التبلد الذي تمتع به الحكام الشيوعيون المستبدون القدامى. وأغلبهم، وخاصة في أوروبا، من الساسة المحترفين الذين لا يتمتعون بأي خبرة بعيداً عن التحكم في الأذرع الآلية التي تحرك أحزابهم. فقد اختفى الآن إلى حد كبير الساسة المتمردون الملونون والمثاليون من محبي الخير، والذين عودونا على إضفاء نوع من البهجة والحياة على السياسة البرلمانية. ومثلهم كمثل الموظفين البيروقراطيين، نجح الساسة المحترفون في إتقان فن عدم التفوه بأي شيء مثير للاهتمام بين عامة الناس، حيث يتولى تحريكهم مدربون صحافيون على نفس القدر من الحرفية والقدرة على تلوين الحقائق.

في هذه الأيام التي تشهد احتضار الصحافة الجادة، أصبحت البرامج التلفزيونية المصقولة البارعة التي تعج بالمنسقين والمعلقين الإخباريين المخضرمين من ذوي الأجور الباهظة ـ الذين لا يتلفظون بفكرة أصيلة واحدة، ولا يتوقعون من ضيوفهم من الساسة أن يفعلوا ذلك ـ تشكل الساحة الوحيدة التي يشعر فيها الساسة المحترفون بالأمان الكافي "لمواجهة" الجماهير. ونتيجة لهذا فقد ابتعدت الجماهير. ولم يحدث منذ ثلاثينيات القرن العشرين أن بلغ الاشمئزاز الشعبي من الساسة في أوروبا والولايات المتحدة واليابان هذا المستوى القياسي. وهذا أمر خطير للغاية، لأن مثل هذه المشاعر قد تؤدي في النهاية إلى الاشمئزاز من الديمقراطية الليبرالية ذاتها.

هل ينتمي المستقبل إذاً إلى المهرجين، وعالم المدونات الإلكترونية الفوضوي، ومناهضي السياسة، ورجال الاستعراض الشعوبيين الذين يرفهون عن الجماهير بالنكات والإهانات والحماقات على القنوات التلفزيونية، التي يمتلكها بعضهم في الواقع؟ إذا كان نجاح محللي القنوات التلفزيونية من أصحاب الأنوف المطاطية الحمراء يشكل تقريعاً للمنسقين الإخباريين الكاسدين المتملقين، فإن النجاح السياسي الذي أحرزه أثناء السنوات الأخيرة الهزليون وزعماء الدهماء، والشخصيات العامة التي تحاول تصوير حماقاتها باعتبارها فضيلة، يُـعَد بمثابة صفعة على وجه طبقة الساسة المحترفين التي يتظاهرون باحتقارها.

كان في انتخاب رجل الاستعراض الأعظم سيلفيو بيرلسكوني في إيطاليا للمرة الثانية مؤخراً توضيحاً كاملاً لهذه الحقيقة. ورغم أن لا أحد من مرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة يستطيع أن يضاهي بيرلسكوني في قدرته على التهريج والهزل، إلا أننا نستطيع أن نرصد ميولاً مشابهة. فقد نجح جون ماكين في إلحاق الهزيمة بمنافسيه الجمهوريين الأكثر منه تقليدية بالظهور أمام الناس بمظهر مختلف عنهم تمام الاختلاف: المتمرد الذي لا يخشى التعبير عن رأيه، والرجل الخشن القوي الذي تفضح لمحاته وإيماءاته تاريخه القديم كزير نساء.

كما كان باراك أوباما ، حين بدأ حملته الانتخابية على الأقل، يتمتع  بكل جاذبية الزعيم المقدس، الذي يحرك الجماهير بكل الحماس الذي يتمتع به المبشرون الإنجيليون. وهذا هو السبب الذي مكنه من التفوق على هيلاري كلينتون ، المديرة البارعة المخضرمة لآلة الحزب.

كان ترشيح أوباما بمثابة التوضيح للمشاكل التي تواجه أنظمتنا الديمقراطية اليوم، على أكثر من وجه. إن الناس لا يثقون في المحترفين، إلا أن انتخاب مهرج ليس بالحل الأمثل أيضاً. والحقيقة أن أوباما يجمع بين القدرات الاستعراضية والجدية، على النحو الذي يجعله قادراً على بث الحياة الجديدة في شرايين النظام الديمقراطي.

إلا أن خصومه نجحوا بالمناورة في دفعه إلى معضلة فريدة. فقد أرغمه الهجوم عليه ووصفه بالضحالة والطيش والبهرجة من قِـبَل معسكر هيلاري على تخفيض نبرته الإحيائية، وتبني أسلوب أكثر واقعية وحذراً وحرفية. إلا أنه بهذا ربما تسبب في انخفاض شعبيته، بل واتهامه بالانحياز للصفوة. وهنا يتبين لنا أن نظامنا الديمقراطي يحتاج في الحقيقة إلى قدرات استعراضية أكثر ميلاً إلى الابتذال والسوقية.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured