Saturday, November 1, 2014
0

تنمية التمويل الذاتي

نيويورك ـ كان التراكم السريع لكميات ضخمة من احتياطيات النقد الأجنبي لدى الدول النامية من بين أهم مظاهر نظام التمويل العالمي وأجدرها بالملاحظة أثناء العقد الأخير من الزمان. وطبقاً لبيانات صندوق النقد الدولي فقد تضاعفت الاحتياطيات من النقد الأجنبي على مستوى العالم إلى ثلاثة أمثالها، فقفزت من 2.1 تريليون دولار أميركي في ديسمبر/كانون الأول 2001 إلى 6.5 تريليون دولار في أوائل العام 2008، وهي في الحقيقة زيادة لم يسبق لها مثيل.

كانت البلدان النامية مجتمعة مسئولة عن أكثر من 80% من احتياطي النقد الأجنبي المتراكم أثناء هذه الفترة، ويقترب المستوى الحالي لاحتياطياتها من خمسة تريليون دولار. تتركز نصف هذه الكمية في بلدان آسيا النامية، إلا أن أميركا اللاتينية وأفريقيا كانت أيضاً تجمع الأصول الدولية بسرعة مذهلة. والحقيقة أن مجموع هذه الاحتياطيات يفيض عن الاحتياجات المباشرة للدول النامية من السيولة، ولقد دفعها هذا على نحو متوسع ومتزايد إلى تأسيس صناديق الثروة السيادية، التي أصبحت تحتوي على مستوى إضافي من الأصول تجاوز الثلاثة تريليون دولار.

إن هذه الزيادة غير المسبوقة في احتياطيات البلدان النامية من النقد الأجنبي يرجع إلى الفوائض التي حققتها هذه البلدان في حساباتها الجارية وإلى الصافي الضخم من تدفقات رأس المال. ونستطيع أن نقول عملياً إن كل احتياطيات الدول النامية مستثمرة في أصول الدول المتقدمة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع صافي تحويلات الموارد من بلدان العالم النامي إلى بلدان العالم المتقدم، والذي بلغ طبقاً لتقديرات إدارة الأمم المتحدة للشئون الاقتصادية والاجتماعية (ديسا) 720 مليار دولار في العام 2007 وحده.

رغم النجاح الملحوظ الذي أحرزته البلدان النامية في السنوات الأخيرة على صعيد النمو الاقتصادي وتقليص الفقر، إلا أن الأمر يتطلب زيادة كبيرة في الاستثمار في مجالات مثل البنية الأساسية من أجل دعم هذا النمو في المستقبل. ونحن نقترح تخصيص حصة ضئيلة للغاية من إجمالي احتياطيات البلدان النامية من النقد الأجنبي ـ ولنقل 1% ـ لتوسعة بنوك التنمية الإقليمية القائمة حالياً أو تأسيس بنوك جديدة تتخصص في الاستثمار في البنية الأساسية وغيرها من القطاعات المهمة.

إن الاستثمار في البنية الأساسية يشكل عنصراً أساسياً في دعم النمو والتعجيل به. ولكن هناك فجوة تمويلية ضخمة. فطبقاً لتقديرات البنك الدولي، تنفق البلدان النامية في المتوسط 3% إلى 4% من ناتجها المحلي الإجمالي على استثمارات البنية الأساسية في كل عام، بينما تقدر الاستثمارات المطلوبة لتغطية احتياجات البنية الأساسية الحالية من أجل الحفاظ على معدلات النمو السريعة بحوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي للبلدان النامية.ونستطيع أن نترجم هذا إلى فجوة سنوية لا تقل عن 300 مليار دولار بالأسعار الحالية.

فضلاً عن ذلك فقد خابت التوقعات الضخمة فيما يتصل بمبادرة القطاع الخاص إلى تمويل البنية الأساسية. فما تزال الاستثمارات الخاصة محدودة للغاية. وما تزال الحكومات الوطنية تتولى القدر الأعظم من التمويل. وما زالت مساعدات التنمية الرسمية وقروض البنوك التعددية المشتركة غير كافية رغم أهميتها. وهناك فجوات ضخمة بصورة خاصة في توفير الاستثمارات الإقليمية المهمة بين البلدان، في مجالي الطاقة وإنشاء الطرق على سبيل المثال.

يتعين على مؤسسات التمويل التعددية أن تظل محتفظة بوظيفتها الأساسية في هندسة التنمية الدولية، وبصورة خاصة في تمويل الاستثمارات في البنية الأساسية. بيد أن مؤسسات التمويل الإقليمية والإقليمية الفرعية التي تمتلكها البلدان النامية لابد وأن تلعب دوراً تكميلياً على قدر عظيم من الأهمية والقيمة. إن مثل هذه المؤسسات تساعد البلدان النامية في التعبير عن رأيها وتعظيم شعورها بالملكية، وهي تميل إلى الاعتماد على الإقناع الأخلاقي وليس فرض الشروط، كما تميل إلى الاستفادة من أقل التضاربات في المعلومات.

فضلاً عن ذلك فإن بنوك التنمية الإقليمية والإقليمية الفرعية ملائمة بصورة خاصة لتوفير المنافع العامة الإقليمية. والأهمية المتنامية للتكامل التجاري والتدفقات التجارية الإقليمية تؤكد على ضرورة توفير البنية الأساسية الإقليمية. والحقيقة أن الخبرة الأوروبية تقدم دروساً قيمة في هذا السياق. ففي البداية كان دعم التكامل التجاري يتم بالاستعانة باستثمارات ضخمة في البنية الأساسية الإقليمية، والتي ساهمت بالقدر الأعظم في تمويلها مؤسسة تم إنشاؤها خصيصاً لهذا الغرض، وهي بنك الاستثمار الأوروبي.

إذا ما خصصت البلدان النامية 1% فقط من احتياطياتها من النقد الأجنبي كمساهمة في رأس المال المدفوع للمؤسسات الإقليمية والإقليمية الفرعية، فقد تبلغ هذه الحصة حوالي خمسين مليار دولار طبقاً للمستويات الحالية من الاحتياطيات. وإذا ما افترضنا أن نسبة القروض إلى رأس المال سوف تكون 2.4 ضِعفاً ـ وهو التقدير الذي خرجنا به اعتماداً على النسبة التي تطبقها مؤسسة آندين للتنمية والتي تتميز بالنجاح والصحة المالية ـ فهذا يعني أن بنوك التنمية الإقليمية والإقليمية الفرعية الموسعة، أو البنوك الجديدة، سوف تتمكن من توليد مخصصات إقراض إضافية تصل إلى 120 مليار دولار.

ومع الوقت سوف يصبح بوسعها تعزيز المكاسب المحتفظ بها، وتعظيم قدرتها على الإقراض دون الحاجة إلى زيادة رأس المال المدفوع. وهذا يعني القدرة على تمويل حصة ضخمة من الاحتياجات الضرورية في تمويل البنية الأساسية.

بناءً على هذه الحسابات الأولية، فإن القدرة الإقراضية الإضافية المتولدة سوف تكون أضخم بصورة واضحة من إجمالي نفقات بنوك التنمية التعددية القائمة حالياً. والأمر بطبيعة الحال يتطلب حسابات وتحليلات أكثر تفصيلاً ودقة، فضلاً عن إجراء الحوار مع الحكومات والمؤسسات القائمة، والهيئات المسئولة عن التسعير، وغيرها من الجهات المعنية.

إن توسعة أو إنشاء مؤسسات تمويل إقليمية وإقليمية فرعية جديدة من شأنه أن يمكن البلدان النامية من وضع الأساس اللازم لترسيخ قدراتها الإقراضية الحالية والمستقبلية، وهو ما سيعينها بالتالي على تحقيق أهدافها التنموية. ونحن نعتقد أن الوقت المناسب للشروع في مثل هذه المبادرة قد حان الآن، بعد أن بلغت احتياطيات النقد الأجنبي هذا القدر من الضخامة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured