Tuesday, September 23, 2014
8

ريو والهراء غير المستدام

نيويورك ــ لو كان جورج أورويل على قيد الحياة اليوم فلعله كان ليشعر بالانزعاج الشديد والصدمة إزاء الطريقة الهازئة التي تناولت بها كل جماعة ضغط ذات مصلحة ولديها بعض الأموال الزائدة تريد تبذيرها مصطلح "التنمية المستدامة" المغوي. والواقع أن مؤتمر ريو+20 الذي نظمته الأمم المتحدة بشأن التنمية المستدامة يدور حول المشاريع المفضلة لدى الجميع بلا استثناء ــ والعديد من هذه المشاريع يتصل بالقضايا البيئة الرئيسية، مثل تغير المناخ، التي كانت بمثابة التركة المتخلفة عن قمة الأرض الأصلية في ريو.

وبالتالي، فقد تمكنت منظمة العمل الدولية وجماعات الضغط التابعة للنقابات المهنية من إقحام قضية "الوظائف اللائقة" في سبع من مجالات الأولوية في مؤتمر ريو. لا شك أنني أتمنى لو يحصل الجميع في كل مكان على وظيفة لائقة، ولكن ما العلاقة بين هذا والبيئة أو "الاستدامة"؟

لا ينبغي لأحد أن يتظاهر بأننا قادرون من خلال سِحر ما على توفير وظائف لائقة لأعداد هائلة من الفقراء ولكنهم في الوقت نفسه من العمال الطامحين في القطاع غير الرسمي من الاقتصاد. فلن يتسنى لنا خلق مثل هذه الوظائف إلا من خلال تبني السياسات الاقتصادية المناسبة. والواقع أن المهمة الملحة الحقيقية التي تواجه العديد من الاقتصادات النامية تتلخص في تبني السياسات القادرة على تشجيع الفرص الاقتصادية من خلال تسريع وتيرة النمو.

كانت السمة المميزة للأسبوع في ريو تتلخص في "فهرسة الاستدامة" للشركات على سبيل المسؤولية الاجتماعية للشركات. وتُشَبَّه هذه الفهرسة بالمعايير المحاسبية. ولكن المعايير المحاسبة مسألة "فنية" وتستفيد من التوحيد القياسي؛ ولكن هذا لا ينطبق على الفهرسة، التي لابد أن تعكس التنوع بدلاً من ذلك.

ومن الممكن مطالبة الشركات بطبيعة الحال بالالتزام بقائمة من "النواهي" ــ لا تصرف الزئبق في الأنهار، ولا توظف الأطفال في مهام خطرة، إلى آخر ذلك. ولكن من المؤكد أن ما تمارسه الشركات من قائمة "المستحب فِعله" على سبيل الإيثار يتوقف على ما تعتبره الشركات مصارف إنفاق فاضلة وتستحق ما ينفق فيها من مال.

وأن يكون بوسع مجموعة من الناشطين الذين نصبوا أنفسهم، بالتعاون مع بعض الحكومات والهيئات الدولية، أن يقرروا ماذا يتعين على أي شركة أن تفعل على سبيل المسؤولية الاجتماعية للشركات، فهو أمر يتناقض مع مفهوم الليبرالية الذي يلزمنا بالسعي إلى الفضيلة ولكن ليس بطريقة محددة سلفا. وفي وقت حيث يؤكد العالم على أهمية التنوع والتسامح، فمن الوقاحة أن نقترح أن الشركات لابد أن تعاير تصورها للكيفية التي ترغب بها في الترويج للخير في العالم.

وحتى عندما تتضمن أجندة قمة ريو+20 شيئاً أكثر لياقة "على المستوى البيئي" ــ ولنقل إمدادات المياه ــ فإن الابتذال يكون هو الغالب. وبالتالي فإن توافر مياه الشرب النظيفة لابد أن يعتبر الآن "حقا" مقدسا. لقد ميزنا تقليدياً في المعاهدات الخاصة بحقوق الإنسان بين الحقوق المدنية والسياسية (الإلزامية)، مثل الحق في المثول أمام المحكمة، وبين الحقوق الاقتصادية (المبتغاة)، لأن الأخيرة تحتاج إلى موارد. إن طمس هذا التمييز ــ وبالتالي تجاهل مشكلة النُدرة ــ ليس حلاً على الإطلاق.

ومن الممكن تفسير "التوفر" وفقاً للعديد من المعايير، وبالتالي بطرق لا حصر لها: فما هو كم المياه المتوفر؟ وعلى أي مسافة من الأسر المختلفة (أو عن طريق الأنابيب لكل بيت)؟ وبأي تكلفة؟ إن هذه القرارات تنطوي على تأثيرات مختلفة بالنسبة لتوفر المياه، ولابد لها من التنافس، في كل الأحوال، ضد "حقوق" أخرى واستخدامات أخرى للموارد.

وبالتالي فإن توفر المياه من غير الممكن أن يعتبر "حقا" في نهاية المطاف. بل إنه في واقع الأمر "أولوية"، ومن المحتم أن تختلف البلدان من حيث ترتيب كل أولوية على حدة نسبة إلى الأولويات الأخرى.

وفي حين تُعَد هذه "خطايا تفويضية تنظيمية"، فإن "خطايا الإغفال" في ريو+20 كانت أكثر وضوحا. فإذا كنا نتحدث عن مؤتمر من المفترض أن يتصدى لقضية "الاستدامة"، فإن الأمر يستحق أن نشعر بالألم والصدمة إزاء غياب أي جهد بطولي للاتفاق على معاهدة جديدة تأتي خلفاً لاتفاق كيوتو. وإذا كانت السيناريوهات المأساوية المتوقعة نتيجة لإهمال قضية تغير المناخ صحيحة ــ وينبغي لنا هنا أن نذكر أن التقديرات المتطرفة قد تؤدي إلى ردود أفعال عكسية على الصعيد السياسي عندما تبدو غير قابلة للتصديق، أو ما هو أسوأ، عندما نخلق "تأثير نيرو" (إذا كانت روما تحترق، فدعونا نحتفل) ــ فإن التقاعس في قمة ريو+20 عن العمل لابد أن يُعَد بمثابة فشل تاريخي.

ولكن هناك إغفال آخر لا يقل أهمية، وهو ناتج عن الافتقار المتزايد إلى الاستدامة السياسية في مجتمعاتنا، ليس بسبب المشاكل المالية المباشرة كتلك التي تبتلي أوروبا وتهدد العالم، بل لأن وسائل الأعلام الحديثة تسلط ضوءاً قوياً على كل الفوارق في الثروات بين الأثرياء والفقراء. ويتعين علينا أن نحث الأثرياء على عدم التباهي بثرواتهم: فمظاهر البذخ وسط هذا القدر من الفقر من شأنه أن يثير السخط والغضب.

ويحتاج الفقراء من ناحية أخرى إلى فرصة عادلة لزيادة دخولهم. ولن يتأتى هذا إلا من خلال حصولهم على التعليم والفرصة الاقتصادية، سواء في الدول الفقيرة أو الغنية.

"القليل من التجاوزات والمزيد من التمكين": إن التركيبة السياسية القائمة على هذه العقدية هي الضمانة الوحيدة لبقاء مجتمعاتنا وتحقيق "الاستدامة" الحقيقية.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (8)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedAdrian Sym

    the author should have looked at the corporate Sustainability Forum, organized by the UN Global Compact, as a barometer for corporate action on sustainable development. In short, amongst many "leading" corporates CSR has long since evolved into the notion of "corporate sustainability", i.e. recognizing that the viability of the business depends on the viability of the external environment (people and nature). this also highlights the value of including "decent jobs" in a holistic approach to sustainable development, rather than the "all about the environment" approach that used to be prevalent.
    In a very challenging political environment I was more encouraged by the leadership shown at the Corporate Sustainability Forum than anything I witnessed at the intergovernmental summit. Overall, Rio (and the G20 just before) emphasized the accelerating and parallel shifts from US/Europe to BRICS and from governments to private sectors as we look for long term and, yes, sustainable solutions.

  2. CommentedTenzin Namdhak

    Sustainable development is the way forward for all the countries irrespective of its GDP percentage. How we come to the conclusion where all the nations abide by the law of clean environment is the question of when? sooner or later it has to come because we have already paid heavy price for the pollution caused by the industrial development. The next question is whether economist can come with the idea of growth as well as clean environment model for the nation in future. We have huge moral incentive to work for clean environment for future generation and i dont think the idea of trade off can't be applied here bewteen clean environment and growth.

  3. CommentedMatthew Guenther

    Interesting commentary on the Rio+20 Summit. His argument that corporates should follow only a virtuous path of their choice is ideal, but by aligning a company's CSR agenda with sustainable development goals (i.e. MDG) and its corporate strategy adds credence to their endeavours. Company's that do not see a link to their corporate strategy and the sustainable development agenda are probably not looking hard enough.

  4. CommentedJoão Tiago Barriga Negra Ascensão

    As I see it, sustainable practices, along with other forms of social responsability, are an obligation instead of some kind of favor or virtue or whatever you may call it. Don't agree at all with Professor Bhagwati because such arguments are totally deprived of any notion of moral commitment, equity or social good.

    In a sense, environmental standards are no different from accounting standards: a set of requirements conductive to the implementation of sustainable business practices, favoring the construction of more resilient economic systems.

    I do believe auto-regulation may be the way to go but some kind of indexing is desirable, in my opinion. Sooner or later, companies will have to include sustainability in their governance structures.

    JTA

  5. CommentedMoctar Aboubacar

    The problem is that corporation doing CSR experience all the problems of a for-profit enterprise trying to be less so, and only for a specific project. Leaving aside the issue of corporations' intent, there are many cases where CSR enterprises fail for lack of proper development know-how. So while I don't know about Rio's specific agenda with regards to this, to argue under the banner of tolerance that corporations should engage in development work/self promotion in whichever way they see fit seems irresponsible.

  6. CommentedKeshav Prasad Bhattarai

    I really agree with many issues raised by the author. Undoubtedly the world has made some progress since 1992 Rio Summit. Individually many countries have made some progress especially in research and development in sustainable energy use, reducing CO2 emissions and combating climate change. Lots of researches have been made in Europe and America. World bodies like United Nations and World Bank have done tremendous work and research on environmental problems and solutions on it. Enriched reserves of knowledge on environment have been made available for people around the world and greater consciousnesses among them have pushed their governments follow effective environmental protection measures.
    But on the part of political leaders less has been achieved. For example U.S. President, German Chancellor and British Prime Minister could not find their way to Rio and address worldwide concerns of billions of people on their environment and their future. Chinese and Indian Prime Ministers visited there but they have already mentioned that they are not prepared to sacrifice their developmental needs for environment.
    Expectations and plights of billions of people were again betrayed in Rio. The world leaders disappointingly repeated their failures to produce a negotiated action programs for sustainable development as in the Climate Change Conference in Copenhagen in 2009.
    But In a leader less world, politicians as well as those 50 thousands activists assembled in Rio as mentioned by the author succeeded in burning millions of dollar in the name of sustainability in a quite unsustainable way - leaving a question unanswered – was the huge crowd really needed and honest to their purpose? And does such crowd can produce any good framework for sustainable development? Have they gone there to as a tourist or as persons committed to the sustainability of development? They should come with answer to these questions.

  7. CommentedHamish Harding

    If our "leaders" can't lead us them I fail to see the point of this exercise. If we're now in a situation where our political elite can't tackle serious threats, then the future looks grim indeed.

    Hamish Harding

  8. CommentedFrank O'Callaghan

    Ignoring the problem of distribution or "thereby disregarding the problem of scarcity" is certainly no solution. The monetization of natural resources formerly held in common is happening quickly across the world.

    If a resource is truly scarce there is a simple choice: pricing or rationing. The rich generally favour the former and the poor the latter.

Featured