براغ ـ يبدو أن كل عام لابد وأن يبدأ بعودة تقليد هدّام : النزاع السنوي بين روسيا وأوكرانيا بشأن الطاقة، وهو النزاع الذي ترك الملايين من الأوروبيين يرتجفون برداً في الشتاء الماضي. وهذا النزاع بدوره يكشف عن نظام إمدادات الطاقة المجزأ ويفضح الافتقار إلى التماسك السياسي في الاتحاد الأوروبي، والذي يؤدي إلى تقويض قدرته على صياغة استراتيجية طويلة الأمد في التعامل مع الطاقة.
إن تنويع مصادر الطاقة يشكل الخطوة الأولى المطلوبة لبناء استراتيجية قابلة للتطبيق في التعامل مع أمن الطاقة. وهذا يتطلب التخطيط والتنسيق على الأمد البعيد، وذلك لأن تنفيذ القرارات الخاصة بالبنية الأساسية الضرورية سوف يستغرق عقوداً من الزمان.
إن الدعوة إلى تنويع مصادر الإمداد تنبع إلى حد كبير من اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي، واستعداد روسيا لاستغلال الطاقة لتحقيق أغراض سياسية. فضلاً عن ذلك فإن روسيا تتحكم في الغالبية العظمى من شبكات خطوط أنابيب الغاز، هذا إلى جانب تفاوضها بشكل فردي مع بلدان أوروبية، الأمر الذي أسفر عن حصولها على درجة غير متناسبة من النفوذ على سوق الغاز الأوروبية.
وهذا النظام غير متوازن بطبيعته، ولابد من تصحيحه. ولابد من بناء خطوط أنابيب بديلة مثل خط نابوكو، ولابد أيضاً من تشجيع إقامة علاقات أوثق مع موردين آخرين. فمن غير المنطقي ولا المعقول أن ندعو إلى وضع حد لاستيراد الغاز من روسيا، أو حتى وضع حد لاعتماد أوروبا بشكل أساسي على الغاز الروسي، ولكن الاتحاد الأوروبي قادر على زيادة نفوذه الخاص من خلال تنمية موارد الإمداد البديلة.
ولكن بعيداً عن ابتكار استراتيجية موحدة في مجال الطاقة في التعامل مع روسيا، فلابد وأن يعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز تعاونه مع الكرملين فيما يتصل بقضايا مثل السياسة النووية ومكافحة الإرهاب من أجل دعم علاقات أكثر دفئاً عموماً. وآنذاك فقط تصبح أوروبا في وضع أفضل يسمح لها باتخاذ موقف موحد وأكثر صرامة فيما يتصل بالتعطيل المتعمد للإمدادات، وبالتالي تجنب تكرار النزاعات التي حدثت بين أوكرانيا وروسيا حول مسألة الغاز في عام 2006 ثم في عام 2009. أو بعبارة أخرى، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يصوغ سياسة يصبح بموجبها قطع الإمدادات عن أحد البلدان الأعضاء بمثابة قطع الإمدادات عن كل بلدان الاتحاد الأوروبي.
إن استراتيجية "فَرِّق تَسُد" التي تتبناها روسيا في التعامل مع زبائنها في أوروبا تضعها في موقف قوي، وذلك على الرغم من اعتمادها على الاتحاد الأوروبي في جمع القدر الأعظم من دخلها من الغاز. ولكن روسيا أصبحت حالياً في وضع مالي غير مستقر، بسبب انحدار أسعار السلع الأساسية وانخفاض الناتج ـ وهو ما يرجع جزئياً إلى بنية الطاقة المهلهلة في روسيا. والآن هو الوقت المناسب لكي يستخدم الاتحاد الأوروبي قوته النسبية ويتبنى قرارات جريئة.
إن تنمية مصادر الطاقة البديلة لابد وأن يلعب دوراً رئيسياً في أي سياسة يتبناها الاتحاد الأوروبي في التعامل مع قضية الطاقة. والواقع أن مثل هذه الموارد لن تكون مفيدة على الصعيد البيئي فحسب، بل وسوف تساعد أيضاً في تنويع مصادر إمداد الطاقة من خلال إيجاد البدائل التي يمكن السيطرة عليها محلياً. إن أوروبا الآن تقف في طليعة الجهود الرامية إلى تنمية الطاقة المتجددة، ولكن يتعين عليها رغم ذلك أن تتجنب العديد من المزالق الخطرة.
على سبيل المثال، لا ينبغي لبلدان الاتحاد الأوروبي أن تفرط في الاعتماد على أي مصدر منفرد للطاقة من دون الدراسة المتأنية لقوى السوق. ذلك أن جماعات الضغط ذات المصالح الخاصة في مجال الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح قد لا تقل اهتماماً بتحقيق مصالحها الشخصية عن جماعات الضغط في مجال النفط أو الغاز، في حين قد يتسبب التدخل الحكومي المفرط في قطاع الطاقة من خلال تقديم إعانات الدعم أو فرض التنظيمات المقيدة في تشويه الظروف الطبيعية للسوق وتدمير فرص تنمية الطاقة البديلة في النهاية. وعلى نحو مماثل، لابد من تشجيع التعاون على مستوى الاتحاد الأوروبي فيما يتصل بمشاريع البحث والتطوير وبرامج الدعم، من أجل منع سياسات الدول الأعضاء على المستوى الفردي من تقويض جهود كل منها لجهود الدول الأخرى.
فضلاً عن ذلك، يتعين على ألمانيا والنمسا إن يعيدا النظر في مواقفهما المناهضة بشدة للطاقة النووية، وأن يفكرا في بناء محطات طاقة نووية جديدة، أو على الأقل مواصلة تشغيل المحطات الموجودة بالفعل. والواقع أن الانحباس الحراري العالمي لعب دوراً كبيراً في تغيير الترتيبات بشأن الطاقة النووية، وربما يكون بوسع لجنة نووية مؤلفة من كافة بلدان الاتحاد الأوروبي أو هيئة عالية المستوى أن تعكف على استكشاف ما إذا كان التوسع في إنتاج الطاقة النووية قد أصبح الآن اقتراحاً أكثر واقعية بالنسبة لأوروبا. ولكن مثل هذا التحرك لابد وأن يبدأ على الفور، وذلك لأن بناء محطات الطاقة النووية يستغرق سنوات عديدة.
إن الصوت الأوروبي القوي الموحد، معززاً بخيار الإمدادات البديلة، وحده القادر على التصدي لتكتيكات الترويع والإرهاب التي تتبناها جهات الإمداد القوية. والواقع أن درجات الاعتماد على الغاز الروسي تتفاوت داخل الاتحاد الأوروبي، وهذا من شأنه أن يحدث انقسامات سياسية، وهي الانقسامات التي يتعين على بلدان الاتحاد الأوروبي أن تتغلب عليها من خلال الاعتراف بالمصالح المشتركة للأوروبيين. ومن خلال العمل التعاوني يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يحمي البلدان الأعضاء الأكثر عُرضة للخطر الروسي. ولكن هذا لم يحدث هذا في الماضي لأن حكومات الاتحاد الأوروبي سارعت جميعها إلى حماية مصالحها الخاصة على حساب الصالح العام.
إن الاتحاد الأوروبي الآن في حاجة إلى تكوين هيئة أوروبية موحدة مختصة بالتفاوض فيما يتصل بأمور الطاقة الدولية. والتعاون الأوروبي الأوثق من شأنه أن يمنح الاتحاد الأوروبي قدراً أعظم من النفوذ حين يتعامل مع مستهلكين آخرين مثل الولايات المتحدة والأسواق الناشئة في آسيا، وليس فقط حين يتعامل مع موردين مثل روسيا. ومن الممكن أن تمتد مسؤوليات هذه الهيئة التابعة للاتحاد الأوروبي إلى الإشراف على تخصيص الموارد لمشاريع البحث والتطوير وتوفير الدعم لمنتجي الطاقة البديلة.
إن الكثير من الحلول المقترحة لمشاكل الطاقة الأوروبية مجربة من قبل، ولكنها تضررت بفعل الافتقار إلى التماسك بين حكومات الاتحاد الأوروبي. ولا شك أن غياب "استراتيجية كبرى" يعمل الاتحاد الأوروبي بموجبها، إلى جانب الطريقة التي يعمل بها الأوروبيون على إضعاف بعضهم البعض، من الأسباب التي تعمل على جعل هذه القضية معلقة بلا حل، بل وتؤدي في بعض الحالات إلى تفاقم المشاكل. ولكن يتعين على حكومات الاتحاد الأوروبي في هذه الأوقات التي يسودها عدم اليقين الاقتصادي أن تنظر إلى سياسة الطاقة المشتركة باعتبارها فرصة لابد من انتهازها.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.