Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

أوباما ومتلازمة فيتنام

نيو هافين ـ "إن التوصل إلى حل عسكري للحرب في أفغانستان أمر في حكم المستحيل، فالأمر يحتاج إلى حل سياسي". إن كتابة هذه الجملة تكاد تجعلني أصاب بالإغماء من فَرط الضجر. فمن منا يريد أن يكرر نقطة تم توضيحها آلاف المرات في حين يفكر رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما فيما ينبغي أن يتم بشأن الحرب؟ وهل يوجد على وجه الأرض شخص واحد لا يعرف أن إحراز النصر في حرب العصابات أمر مستحيل من دون الفوز بقلوب وعقول الناس أولاً؟ لقد أدرك الرأي العام الأميركي هذه الحقيقة منذ الهزيمة التي منيت بها الولايات المتحدة في فيتنام.

لقد اعتاد الأميركيون على النظر إلى التجربة المريرة التي عاشتها بلادهم في فيتنام باعتبارها دروساً مستفادة تحولت إلى مبادئ احترازية. ولكن الوثائق التاريخية التي أتيحت مؤخراً تكشف عن أمر أشد غرابة. إن أغلب هذه الدروس كانت معروفة في واقع الأمر ـ رغم عدم الاعتراف بها علناً ـ حتى قبل أن تبادر الولايات المتحدة إلى تصعيد الحرب في فيتنام.

والفارق هنا بالغ الأهمية. فإذا كانت كارثة فيتنام قد وقعت رغم الإدراك التام للدروس، فما الذي قد يجعل هذه الدروس أكثر فعالية هذه المرة؟ يبدو أن الأمر يتطلب بعض الدروس الأخرى.

لماذا دفعت إدارة الرئيس ليندون جونسون بالولايات المتحدة إلى آتون الحرب التي تبين منذ البداية أنها قضية خاسرة حتى في نظر المسؤولين الأميركيين؟ أحد التفسيرات المحتملة أن جونسون ذاته كان يشعر بالخوف الشديد من جناح اليمين في أميركا. فحين حثه السناتور مايك مانسفيلد على الانسحاب من فيتنام أجابه قائلاً: "لا أريد صين أخرى في فيتنام".

ولقد عمل مستشار الأمن القومي، ماك جورج بوندي آنذاك، على تغذية مخاوف جونسون . ففي مذكرة أعدها في عام 1964 كتب: "إن الضرر السياسي الذي لحِق بالرئيس ترومان و أتشيسون نتيجة لسقوط الصين كان منبعه أن كل الأميركيين تصوروا أننا كان بوسعنا، بل وكان من الواجب علينا، أن نفعل المزيد لمنع ما حدث. وهذا هو على وجه التحديد ما يمكن أن يحدث الآن إذا ظهرنا وكأننا أول المستسلمين في سايجون". وفي مذكرة أخرى زعم بوندي أن الحياد سوف ينظر إليه "كل الفيتناميين المناهضين للشيوعية" باعتباره "خيانة"، الأمر الذي لابد وأن يؤدي إلى إثارة غضب الجمهور الانتخابي الأميركي الذي يتمتع بالقوة الكافية "لإخراجنا من الانتخابات خاسرين".

هل دفع مستشارو جونسون البلاد إلى حرب مأساوية طمعاً في الفوز بالانتخابات ـ أو إذا تحرينا المزيد من الدقة، لتجنب خسارة الانتخابات؟ لا شك أن جونسون و بوندي والآخرين صدقوا نظرية "أحجار الدومينو"، والتي تقول إن "سقوط" بلد واحد تحت نير الشيوعية من شأنه أن يؤدي إلى سقوط بلدان أخرى. ولكن هذه النظرية انسجمت بسهولة تثير الريبة مع احتياج السياسة الداخلية الواضح إلى إظهار الرئيس بصورة الشخص "القوي الخشن" ـ أو كما قال بوندي في وقت لاحق: "حتى لا تبدو وكأنك أقل قوة وصرامة من خصومك".

إن الغريب في المناقشة الدائرة الآن بشأن أفغانستان هو الدرجة التي تظهرها من الاستمرارية والاتصال بينها وبين المناقشات التي دارت بشأن فيتنام، ولا شك أن إدارة أوباما تدرك هذه الحقيقة.

لقد كانت فيتنام بالنسبة لأغلب الأميركيين بمثابة درس كبير: "لا ينبغي لهذا أن يتكرر مرة أخرى"، أما المؤسسة العسكرية الأميركية فقد تعلمت من حرب فيتنام مجموعة من الدروس الصغيرة التي تتلخص في العبارة التالية: "في المرة القادمة سنفعلها بشكل أفضل".

الواقع أن المؤسسة العسكرية قامت بعسكرة حجج حركة السلام في الستينيات. ذلك أنه إذا كانت القلوب والعقول هي المفتاح، فسوف يكون في هذا تلطيفاً لمشاعر السكان المحليين. وإن كانت الخسائر في أرواح المدنيين هي المشكلة، فلا مانع من محاولة خفضها إلى الحد الأدنى. وإذا خسر الفساد دعم الحكومة العميلة، فلنضغط عليها لكي تصبح نزيهة، كما فعل أوباما في تعليقاته الأخيرة في أعقاب إعادة انتخاب الرئيس حميد كرزاي في انتخابات تفوح منها رائحة التزوير والغش.

كما انتقلت فيتنام إلى وقتنا الحاضر في عالم السياسة الداخلية. فقد اقترح جورج ماكجوفرن ، المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة في عام 1972، إنهاء الحرب، التي كانت آنذاك قد فقدت كل شعبيتها، ولكنه مع ذلك خسر الانتخابات. ولقد بدا الأمر وكأن تلك الخسارة الانتخابية كانت بمثابة التأكيد لمخاوف جونسون السابقة: ألا وهي أن المنسحبين من الحرب يخسرون الانتخابات حتماً. ولقد غرس هذا الدرس في ذهن الحزب الديمقراطي خوفاً عميقاً من النزعة الماكجوفرنية التي استمرت حتى يومنا هذا.

هناك نوع لا لبس فيه من الاستمرارية بين هجمات جوزيف مكارثي على إدارة الرئيس هاري ترومان بسبب "خسارة" الصين، وبسبب "الاسترضاء" المفترض، بل وحتى "الخيانة"، وهجمات ديك تشيني و كارل روف الركيكة على أوباما بسبب معارضته لحرب العراق، ناهيك عن الاتهام الذي وجهته سارة بالين إلى أوباما أثناء الحملة الانتخابية بأنه "يسعى إلى تكوين صداقات مع الإرهابيين".

ليس سراً أن دعم أوباما للحرب في أفغانستان، والتي اعتبرها "ضرورية للدفاع عن شعبنا"، كان بمثابة الحماية له ضد اتهامه بالضعف في التعامل مع قضية الانسحاب من العراق. لذا فقد انتقلت سياسات معضلة فيتنام إلى عهد أوباما سالمة تقريباً. فالآن كما كانت الحال آنذاك، تتخلص القضية فيما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تحمل الفشل في حرب من دون أن تتعرض لقدر كبير من الارتباك والفوضى.

ولكن هل تتمكن الكتلة السياسية الأميركية من التراجع؟ وهل تعرف كيف تختصر خسائرها؟ وهي هي قادرة على التعلم من التجربة؟ أم أنها لابد وأن تنكفئ عند كل جرف تقترب منه؟

في قلب هذه التساؤلات يأتي تساؤل آخر: هل يتعين على الليبراليين والمعتدلين دوماً أن ينحنوا أمام اليمين المجنون بشأن الأمن القومي؟ وما هو المصدر الذي يستند إليه جناح اليمين في اعتراضه على الرؤساء، وأعضاء الكونجرس، والرأي العام؟ إن من سيتمكن من الإجابة على هذه التساؤلات فلابد وأن يكون قد توصل إلى أحد مفاتيح نصف قرن من التاريخ الأميركي ـ فضلاً عن القوى التي تضيق الخناق على أوباما بشأن أفغانستان.

مؤخراً، قام أوباما بزيارة ليلية إلى قاعدة دوفر الجوية من أجل استعراض عودة رفات ستة عشر جندياً أميركياً قتلوا في أفغانستان. ولقد أدى أوباما التحية العسكرية بالحركة البطيئة، بالتناغم مع أربعة جنود يرتدون الزي العسكري، ثم سار بخطوة موحدة معهم مروراً بالمركبة التي تسلمت الرفات من طائرة الشحن التي عادت بهذه الرفات إلى الوطن.

ولم ينطق أحد. تُرى هل أصبح أوباما عالقاً تحت رحمة تعويذة عسكرية كئيبة؟ أم أن حضوره كان بمثابة تعهد صامت، بينما يتخذ قراراته، بإبقاء ذهنه مثبتاً على مسائل الحياة والموت، بدلاً من التركيز على الانتخابات المقبلة؟

أظن أن تصرفات أوباما في أفغانستان سوف تقدم لنا الإجابة على هذه التساؤلات.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.