6

كلمتي إلى خريجي الموارد المالية

نيوهافين ــ في هذا الوقت من العام، في احتفالات التخرج في أميركا وغيرها من بلدان العالم، يسمع هؤلاء الذين على وشك مغادرة الجامعة غالباً بعض الكلمات الختامية من النصيحة والمشورة قبل الحصول على شهاداتهم. ولهؤلاء المهتمون بالعمل في مهن مرتبطة بإدارة الموارد المالية ــ أو ما يرتبط بها من مهن في مجالات مثل التأمين، أو المحاسبة، أو مراجعة الحسابات، أو القانون، أو إدارة الشركات ــ فأنا أوجه إليهم الكلمة التالية:

أتمنى لكم حظاً طيباً وأنتم تغادرون الأكاديمية إلى المهن التي اخترتموها في مجال التمويل. وعلى مدار حياتكم المهنية، سوف يحتاج إليكم وال ستريت والمؤسسات المتصلة به. وسوف تستفيدون كثيراً من تدريبكم على النظرية المالية، والاقتصاد، والرياضيات، والإحصاء. ولكن دروسكم في التاريخ والفلسفة والأدب لن تقل أهمية، لأنها تشكل ضرورة قصوى ليس فقط لتزويدكم بالأدوات السليمة، بل وأيضاً لإبقائكم دوماً منتبهين للمقاصد والأهداف الاجتماعية الغالبة للتمويل.

ومن المؤكد أنكم تدركون أن القطاع المالي تعرض لانتقادات شديدة ــ الكثير منها مبرر ــ بعد أن دفع الاقتصاد العالمي إلى أسوأ أزمة يمر بها منذ الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين. وما عليكم إلى أن تراجعوا بعض زملائكم الذين شاركوا في حركات الاحتلال في مختلف أنحاء العالم لكي تستشعروا الاستياء الواسع النطاق من العاملين في مجال إدارة الموارد المالية والمنتمين إلى شريحة الـ 1% العليا من أصحاب الدخول الذين يلبون احتياجاتهم إلى حد كبير (وينتمون إليهم غالبا).

ورغم أن بعض هذه الانتقادات قد تكون في غير محلها أو بالغ فيها، فإنها تسلط الضوء على الحاجة إلى إصلاح المؤسسات المالية وممارساتها. إن التمويل كان لفترة طويلة يشكل أهمية مركزية بالنسبة للديمقراطيات التي تتسم بازدهار الأسواق، ولهذا السبب فإن المشاكل الحالية التي يعاني منها هذا القطاع تحتاج إلى حلول عاجلة. ومن خلال شعوركم المعزز بترابطنا المتبادل واحتياجاتنا المتنوعة، بوسعكم أن تفعلوا هذا. والواقع أن هذا هو التحدي المهني الحقيقي الذي يواجهكم، ويتعين عليكم أن تعتبروا هذا فرصة.

إن الشباب المتخصصين في التمويل بحاجة إلى التعرف على تاريخ العمل المصرفي، وإدراك حقيقة مفادها أنه يصبح في أفضل حالاته عندما يخدم قطاعات متزايدة الاتساع من المجتمع. وهنا تتبادر إلى الذهن حركة بنوك المدخرات في المملكة المتحدة وأوروبا في القرن التاسع عشر، وحركة تمويل المشاريع الصغيرة التي بدأها بنك جرامين في بنجلاديش في القرن العشرين. واليوم فإن أفضل طريقة للمضي قدماً تتخلص في تحديث التكنولوجيا المالية والاتصالات من أجل تقديم مجموعة كاملة من الخدمات المصرفية المستنيرة على الطبقة المتوسطة الدنيا والفقراء.

ويواجه الخريجون الذين يعتزمون العمل في مجال الرهن العقاري تحد مختلف ولكنه لا يقل أهمية: والذي يتلخص في تصميم قروض جديدة أكثر مرونة وقادرة بشكل أفضل على مساعدة أصحاب المساكن على مواجهة ذلك النوع من الاضطرابات الاقتصادية التي أغرقت الملايين من البشر اليوم في الديون.

ومن جانبهم فإن الشباب العاملين في مجال العمل المصرفي الاستثماري لديهم فرصة كبيرة لابتكار أشكال من رأس المال الاستثماري الأكثر اعتماداً على المشاركة ــ والتي تتجسد في مواقع التمويل الحاشد على شبكة الإنترنت ــ لتحفيز نمو المشاريع الصغيرة الإبداعية الجديدة. ومن ناحية أخرى فإن الفرص سوف تتوفر للعاملين المستجدين في مجال التأمين لابتكار سبل جديدة للتحوط ضد المخاطر التي تثير مخاوف الناس الحقيقيين، والتي تشكل أهمية حقيقية ــ تلك التي تؤثر على وظائفهم وسبل عيشهم وقيمة مساكنهم.

وإذا ما ذهبنا إلى ما هو أبعد من البنوك الاستثمارية وشركات السمسرة، فسوف نجد أن التمويل الحديث يتسم ببعد عام وحكومي، وهو ما يحتاج بوضوح إلى إعادة اختراع في أعقاب الأزمة المالية الأخيرة. إن وضع قواعد اللعبة لقطاع مالي نشط ومفيد على المستوى الاجتماعي لم يكن أكثر أهمية مما هو عليه الآن. والخريجون الجدد مطلوبون في الهيئات التشريعية والإدارية لتحليل البنية الأساسية القانونية للتمويل، وتنظيمها على النحو الكفيل بتقديم أعظم النتائج للمجتمع.

إن الجيل الجديد من القادة السياسيين لابد أن يدركوا أهمية محو الأمية المالية وإيجاد السبل لتزويد المواطنين بالمشورة القانونية والمالية التي يحتاجون إليها. وفي الوقت نفسه يواجه صناع السياسات الاقتصادية التحدي الأعظم المتمثل في تصميم مؤسسات مالية جديدة، مثل أنظمة معاشات التقاعد والاستحقاقات العامة، استناداً إلى أسس راسخة لتقاسم المخاطر بين الأجيال.

وهؤلاء منكم الذين يقررون ممارسة مهن كخبراء اقتصاد ومتخصصين في تدبير الموارد المالية فإنهم بحاجة إلى تكوين فهم أفضل لفقاعات الأصول ــ وسبل أفضل لنقل هذا الفهم إلى العاملين في مجال التمويل وعامة الناس. وبقدر ما كان لوال ستريت يد في الأزمة الحالية، فقد بدأ الأمر في هيئة اعتقاد واسع النطاق بأن أسعار المساكن من الممكن أن تهبط ــ وهو الاعتقاد الذي غذى عدوى اجتماعية كاملة. وسوف يشكل تعلم كيفية رصد مثل هذه الفقاعات والتعامل معها قبل أن تنتقل عدواها إلى اقتصادات بأكملها تحدياً كبيراً بالنسبة للجيل القادم من علماء تدبير الموارد المالية.

وبالاستعانة بأفكار مالية متطورة تتراوح بين نموذج تسعير الأصول الرأسمالية إلى صيغ تسعير الخيارات المعقدة. وليس هناك ما يعيب هذا، وسوف يعكس نجاحكم المالي إلى درجة كبيرة مدى فعاليتكم في تحقيق نتائج قوية للشركات التي توظفكم. ولكن مكافآت النجاح في وال ستريت، وفي عالم التمويل عموما، تتغير ولو بشكل غير محسوس، تماماً كما ينبغي لتعريف التمويل أن يتغير إذا كان له أن يستعيد مكانته في المجتمع وثقة المواطنين والقادة.

إن التمويل في أفضل حالاته لا يختص بإدارة المخاطر فحسب، بل إنه يعمل أيضاً كوكيل لأصول المجتمع ومدافع عن أعمق أهدافه. وبعيداً عن التعويض، فإن أفراد الجيل القادم من المتخصصين في مجال لتمويل سوف ينالون أصدق مكافآته في الإشباع الذي يأتي مع المكاسب المترتبة على إضفاء الطابع الديمقراطي على التمويل ــ فتمتد الفوائد المترتبة عليه إلى زوايا المجتمع حيث تشتد الحاجة إليها. وهذا يشكل تحدياً جديداً لجيل جديد، وسوف يتطلب كل ما يمكن تسخيره من الخيال والمهارة.

وفي النهاية أتمنى لكم حظاً سعيداً في إعادة اختراع التمويل. إن العالم يحتاج إلى نجاحكم.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali