Tuesday, July 22, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الحياة بدون الدوحة

برازيليا ـ في تعليق حديث لي، استندت إلى التقرير المؤقت الصادر عن فريق الخبراء التجاريين الرفيع المستوى، المعين من قِبَل حكومات بريطانيا وألمانيا وإندونيسيا وتركيا، والذي أشارك في رئاسته، في محاولة لشرح الأسباب التي تجعل من إتمام جولة الدوحة من محادثات منظمة التجارة العالمية التي أكملت عامها العاشر أمراً بالغ الأهمية. ولقد أعيد نشر هذا العمود على مدونة تابعة لمنظمة وحدة المستهلك ومجتمع الثقة الدولية، وهي المنظمة غير الحكومية الأكثر أهمية العاملة في بلدان العالم النامي اليوم، فانهمرت الردود عليه من خبراء التجارة. ولا يزال تدفق الردود مستمراً حتى الآن، ولكن المناقشة أثارت بالفعل مجموعة من التحاليل والانتقادات التي يتعين عليّ أن أجيب عليها.

فقد اندفع بعض المنتقدين إلى الزعم بأن جولة الدوحة توفيت بالفعل ـ وبأنهم أدركوا ذلك وتحدثوا عنه قبل سنوات عديدة. وافترض البعض أن محاولتنا لإحياء هذه الجولة مثيرة للشفقة ولا جدوى منها. ولكن إذا كانت جولة الدوحة توفيت بالفعل، فيتعين على المرء أن يتساءل، لماذا إذن كان المفاوضون مستمرين في التفاوض، ولماذا ظل كل زعماء مجموعة العشرين تقريباً يصدرون تصريحاتهم المؤيدة للمحادثات كلما جمعهم أي لقاء.

وذهب آخرون أن جولة الدوحة كانت ميتة حتى أثناء التفاوض عليها. وعلى حد تعبير الممثلة التجارية السابقة للولايات المتحدة والكاتبة في الشئون الخارجية سوزان شواب، فإن محادثات الدوحة كانت قد هلكت بالفعل وتنتظر الدفن. ولكن هذه الانتقادات بنيت على تصور مفاده أن إنقاذ المحادثات أمر ممكن باللجوء إلى الخطة البديلة (باء)، ولو أن ما اقتُرِح في العديد من مشتقاتها ـ والذي كان دوماً يشكل جزءاً ضئيلاً من الحزمة التي يجري التفاوض عليها حتى يومنا هذا ـ يستحق أن نطلق عليه الخطة البديلة (ياء).

ولقد بدا الأمر وكأنه فكرة عظيمة: فأي شيء أفضل من لا شيء على الإطلاق. ولكن في المحادثات المتعددة الأوجه التي امتدت إلى عِدة قطاعات مختلفة (على سبيل المثال الزراعة والمصنوعات والخدمات) والتي تستند إلى قواعد مختلفة (مثل مكافحة الإغراق وإعانات الدعم)، كانت الدول تتفاوض من أجل التوصل إلى تنازلات فيما بينها فيما يتصل بمجالات عديدة. ولكن أياً كان ميزان التنازلات الذي تم الاتفاق عليه فإنه قد ينهار إذا حاولنا الحفاظ على مجموعة واحدة والتخلي عن مجموعة أخرى.

فكما أشار ستيوارت هاربينسون، المستشار الخاص السابق للمدير العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي، فإن الجدال حول ما ينبغي له أن يذهب إلى الخطة البديلة لن يقل صعوبة عن المجادلة حول كيفية إتمام الحزمة الكاملة لجولة الدوحة.

ويبدو أن بعض المنتقدين يفتقرون إلى الاطلاع على الوقائع بشكل كامل. فقد أثبت تقرير باغواتي – ساذرلاند بالوثائق وبقدر كبير من الإسهاب أن العديد من الأمور تم الاتفاق عليها بالفعل في مختلف المجالات الرئيسية. وعلى حد تعبير لامي، فإن ما يقرب من 80% من الطبخة باتت جاهزة؛ ونحن لا نحتاج إلا إلى القليل من البهارات الإضافية من اللاعبين الرئيسيين ـ الهند، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والبرازيل، والصين. ومن الممكن أن يتوفر هذا بطرق مستساغة سياسيا، وهو ما يعني أيضاً أن إتمام جولة الدوحة بات في متناول أيدينا، وليس حلماً بعيد المنال.

ولكن لماذا نكلف أنفسنا عناء المحاولة؟ يزعم البعض أن الحياة لن تتوقف إذا فشلت جولة الدوحة. وهذا صحيح بالطبع، ولكنه لا يجعل وجهة النظر هذه أقل سذاجة.

إذا فشلت جولة الدوحة فإن عملية تحرير التجارة سوف تتحول من وظيفة تقوم بها منظمة التجارة العالمية إلى مهمة تتولاها الاتفاقيات التجارية التفضيلية، والتي بدأت بالفعل تنتشر كالوباء. ولكن إذا كانت الاتفاقيات التجارية التفضيلية هي الخيار الوحيد المتاح، فإن القيود الضمنية التي قد تمنع نشوء الحواجز التجارية في وجه أي دولة ثالثة بموجب المادة 24 من اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وهي قيود حقيقية على الرغم من ضعفها، من شأنها أن تختفي بالكامل. إن منظمة التجارة العالمية تقف على ساقين: التحرير التجاري غير التمييزي، وتوحيد عملية صنع القواعد وفرضها. وببتر الساق الأولى فإن هذا يعني إصابة المؤسسة العالمية الأكثر أهمية فيما يتصل بالتجارة الحرة العالمية بالشلل.

وهذا من شأنه أن يؤثر أيضاً على الساق الناجية، وذلك لأن الاتفاقيات التجارية التفضيلية سوف تستأثر على نحو متزايد بوظائف صنع القواعد أيضا، وبوسعنا أن نرى هذا بالفعل في الاتفاقيات التجارية التفضيلية التي كثيراً ما تتسم القواعد التي تتبناها في التعامل مع قضايا تقليدية مثل مكافحة الإغراق بالتمييز لصالح أعضائها. كما ينعكس نفس الأمر في العدد المتزايد من الشروط غير المتصلة بالتجارة والتي يتم إقحامها في الاتفاقيات التجارية التفضيلية التي تعرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كنتيجة لجهود جماعات ضغط تخدم مصالحها الذاتية وتسعى إلى الحصول على تنازلات من الشركاء التجاريين الأضعف، والتي في ظل غيابها تتحول التجارة الحرة إلى "تجارة غير عادلة". ثم يتم الترويج لهذه القواعد باعتبارها "طليعية رائدة"، على نحو يوحي ضمناً بأن الاتفاقيات التجارية التفضيلية ليست سوى "مقدمة" لقواعد جديدة.

ونتيجة لهذا فإن استعداد أعضاء منظمة التجارة العالمية لاستحضار آلية فض المنازعات، والتي تُعَد مصدر فخر لمنظمة التجارة العالمية ـ بل وربما الحكم الدولي بالكامل ـ من شأنه أن يستنزف أيضا. ذلك أن المحاكم التي يتم إنشاؤها في إطار الاتفاقيات التجارية التفضيلية سوف تستولي على العملية التجارية بالكامل، الأمر الذي لابد وأن يؤدي في النهاية إلى ضمور آلية فض المنازعات وجعلها بلا قيمة.

ربما كان بوسعنا أن نعيش من دون جولة الدوحة، ولكنها لن تكون حياة سعيدة بالنسبة للعديد من الناس. والآن ليس أوان الرضا عن الذات والولع بانتقاد الآخرين.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured