Sunday, November 23, 2014
0

أميركا اللاتينية وبلبلة التكامل

سانتياجو ـ ينظر الناس إلى التكامل الإقليمي عادة باعتباره وسيلة تستعين بها البلدان لتقوية نفسها. ولكن يبدو أن الجهود التي تبذل اليوم لتحقيق التكامل الإقليمي في أميركا اللاتينية ترمي إلى تحقيق أغراض مختلفة بالكامل. فهي تسعى إلى مساعدة أنصار المخططات العديدة التي تتنافس على الفوز بالسلطة والنفوذ على الساحتين الإقليمية والعالمية.

والواقع أن أياً من المبادرات الحالية الرامية إلى تعزيز التكامل الإقليمي في أميركا اللاتينية لا تشبه عملية التكامل الأوروبي من قريب أو بعيد. ولا نستطيع أن نعتبرها خطوات أولى تجريبية نحو تحقيق مثل ذلك المصير المشترك، على غرار معاهدة الفحم والفولاذ التي بدأت مشروع الوحدة الأوروبية.

وللوهلة الأولى يبدو من ذلك الوابل الذي لا ينقطع تقريباً من مقترحات التكامل في أميركا اللاتينية وكأن كل زعيم في المنطقة يحاول التفوق على غيره من الزعماء في الخروج بأكبر عدد ممكن من المقترحات. وفي الوقت نفسه سنجد أن المؤسسات العاملة في المنطقة بالفعل، والتي أصبحت في حال مزرية، تحظى بقدر ضئيل من الاهتمام.

ولنتأمل هنا تجمع ميركوسور الاقتصادي، الذي يشكل المبادرة الإقليمية الرئيسية في أميركا اللاتينية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. طبقاً للباحث الأرجنتيني روبرتو بوزاس فإن تجمع ميركوسور يمر بحالة حرجة، بسبب عجز مؤسساته عن الحفاظ على الأهداف المشتركة التي دفعت أعضاءها إلى الانخراط في عملية التكامل الإقليمي، وما أعقب ذلك من فقدان التركيز والقدرة على تحديد الأولويات المرتبطة بالمشاكل السياسية الأساسية. ولقد جرى تشخيص مماثل فيما يتصل بالنظام الاقتصادي لأميركا اللاتينية (SELA)، ومجموعة دول الانديز (CAN)، وغير ذلك من المنظمات الإقليمية.

ويساهم في هذا النوع من خسارة الديناميكية ذلك الطوفان من المقترحات المتدفقة من فنزويلا، بما في ذلك البديل البوليفاري للأميركيتين ALBA(مع جيش دائم خاص به)، والمعاهدة التجارية للشعوب (TCP)، وبنك الجنوب، ومنظمة حلف جنوب الأطلنطي (OTAS). ومن الواضح أن بعض المبادرات الفنزويلية لا مستقبل لها، غير أن مبادرات أخرى، مثل بيتروكاريبي، وبيتروسور، وتيليسور، بدأت تنطلق بالفعل.

وفي الوقت نفسه سنجد أن البرازيل عازمة على الاضطلاع بدور سياسي إقليمي وعالمي يتناسب مع ثِقَلها الاقتصادي المتنامي. ويكمن التحدي هنا في البحث عن دور إقليمي يتوافق مع حجم البلد، ولكنه لا يؤدي إلى خلق حالة من عدم الثقة، ويفيد بقية بلدان المنطقة في نفس الوقت.

ويشكل اتحاد دول أميركا الجنوبية المقترح (Unasur)، مثله كمثل مجلس دفاع أميركا الجنوبية، جزءاً من استراتيجية برازيلية إقليمية تسعى إلى تشجيع التعاون بين بلدان أميركا اللاتينية من أجل موازنة قوة الولايات المتحدة والعمل كوسيط في الخلافات الإقليمية. ورغم أن صياغة مبادرة اتحاد دول أميركا الجنوبية كانت أكثر دقة مقارنة بصياغة المبادرات الأخرى، فإن فشل هذا الاقتراح في التفكير في التكامل التجاري يعني أن لا شيء يربط البلدان الأعضاء معاً غير الإرادة السياسية.

بيد أن المناقشات الدائرة حول التجارة الحرة الدولية كانت تنعقد عموماً خارج المنطقة، في الدوحة أو في إطار مجموعة العشرين، حيث تمثل الأرجنتين والبرازيل والمكسيك أميركا اللاتينية. ورغم أن اتحاد دول أميركا الجنوبية يهدف إلى تحقيق ما هو أبعد من عقد اتفاقيات التجارة الحرة، فإن هذا يتطلب قدراً أعظم من التكامل الأكثر تنظيماً داخل المنظمة ـ أو التكامل الذي يسعى إلى توسيع دوره الحالي باعتباره منتدى لمناقشة المشاكل والحلول في أميركا اللاتينية ككل.

ورغم ذلك فقد نجح اتحاد دول أميركا الجنوبية المقترح في تسليط الضوء على فتور العلاقات بين البرازيل والمكسيك، وهي ليست عضواً في المنظمة. وقد يؤثر هذا على التنسيق السياسي الإقليمي في المستقبل، رغم أن عضوية المكسيك في المستقبل لم تستبعد. (فضلاً عن ذلك فإن مشاركة الرئيس المكسيكي فيليبي كالديرون في قمة أميركا اللاتينية والكاريبي بشأن التكامل والتنمية، والتي انعقدت في باهيا في ديسمبر/كانون الأول 2008، تشير إلى أن المكسيك لم تدر ظهرها لإمكانية تنسيق المواقف الإقليمية).

ولكن اقتراح مجلس دفاع أميركا الجنوبية وصل إلى طريق مسدود. ومن أجل زيادة فعاليته فلابد من معالجة حالة انعدام الثقة التي تتخلل اتحاد دول أميركا الجنوبية، ولابد وأن تكون أهداف الدول الأعضاء أكثر وضوحاً. ويصدق هذا بشكل خاص على البرازيل، مصدر القدر الأعظم من انعدام الثقة في هذا السياق.

وأخيراً، اقترح رئيس الإكوادور رافييل كوريا منذ بعض الوقت إنشاء منظمة دول أميركا اللاتينية لكي تحل محل منظمة الدول الأميركية (OAS). ورغم أن ضم كافة بلدان أميركا اللاتينية إلى عضوية مثل هذه المنظمة من شأنه أن يفيد قليلاً في إصلاح المحور البرازيلي المكسيكي الذي اعتراه الضعف، وأن يخلق بيئة جديدة وأكثر إيجابية للتنسيق السياسي في المستقبل، فإن المنظمة الجديدة من غير المرجح أن تساهم كثيراً في تعزيز التكامل الإقليمي الفعلي.

والواقع أن الافتقار إلى السياسات الإقليمية المشتركة ملحوظ بشكل خاص في مجالي الدفاع الإقليمي والأمن الداخلي، حيث كان من المستحيل تحديد موقف مشترك فيما يتصل بالتوترات بين البلدان، ومكافحة الجريمة وتجارة المخدرات. وتتفاقم هذه المصاعب بسبب عجز منظمة الدول الأميركية عن معالجة المواقف المعقدة مثل الانقلاب في هندوراس، أو النزاع بين الإكوادور وكولومبيا، أو المشاكل الإقليمية الأوسع نطاقا.

وقد تتفاقم حالة الجمود الإقليمي هذه نتيجة لتنا��ي النزعة القومية؛ وتعاظم الانقسامات الاجتماعية داخل البلدان؛ وانتشار الأسلحة والزيادة في الإنفاق العسكري؛ والتدهور البيئي. ويبدو أن أميركا اللاتينية قد تخلت عن المبادئ والالتزامات والأسس التي يتطلبها نجاح التكامل الإقليمي التام. بل إن المصالح الوطنية والنعرة القومية أصبحت الآن في مركز الصدارة.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured