Sunday, September 21, 2014
1

علاج الرجل المريض في جنوب آسيا

لاهور ــ إن باكستان تمر حالياً بثلاثة تحولات في وقت واحد. وسوف تشكل الكيفية التي سوف تنتهي إليها هذه التحولات أهمية كبرى، ليس فقط بالنسبة لباكستان بل وأيضاً بالنسبة للكثير من دول العالم الإسلامي، وخاصة في ظل التغيير الذي تفرضه قوى الربيع العربي على الحكومات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

كانت أغلب الدول المسلمة رازحة طيلة عقود من الزمان تحت حكم طغاة مستبدين، إما أتوا بشكل مباشر من القوات المسلحة، أو كانوا يتمتعون بدعم قوي من جانب قيادات في القوات المسلحة. وكانت هذه هي الحال في مصر وليبيا واليمن وسوريا، وبالطبع باكستان.

لقد استنزف الربيع العربي كل الشرعية الزائفة التي انتحلها هؤلاء الحكام لأنفسهم. ولكن في باكستان، أتى انتزاع شرعية حكم المؤسسة العسكرية فعلياً قبل ثلاثة أعوام، وأتت الضغوط الرامية إلى التغيير من نفس المصدر تقريبا ــ الطبقة المتوسطة الجديدة المتململة المتأهبة.

قبل عدة عقود من الزمان، زعم العالم السياسي الأميركي صامويل هنتنجتون أن الازدهار الاقتصادي في الدول النامية حيث مؤسسات الحكم الضعيفة لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار السياسي. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فالنمو الاقتصادي في مثل هذا السياق من الممكن أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي ــ وهو ما يحدث غالبا.

وكانت هذه هي الحال بالفعل في تركيا وباكستان في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم في وقت لاحق في الكثير من أنحاء العالم العربي. والواقع أن التطلعات المتزايدة للشباب العربي في مصر وتونس، منشأ الربيع العربي، جاءت في أعقاب نمو اقتصادي مبهر ولكنه فشل في التسرب إلى القاعدة الشعبية. وكانت هذه التوقعات المتصاعدة واضحة في كل الدول الإسلامية الكبرى.

وكما اقترح هنتنجتون، فعندما يرى الشباب اقتصاد بلادهم ينمو، فإنهم يبدءون في المطالبة بالمشاركة في صنع القرارات التي تؤثر على كافة جوانب حياتهم، وليس فقط رفاهتهم الاقتصادية. ولقد عملت الأنظمة السياسية التي هيمن عليها العسكر على تعويق مثل هذه المشاركة، لذا ففي ظل النمو الاقتصادي أصبحت المطالبات بنزع الصفة العسكرية من السياسة بمثابة صيحة استنفار في كل الدول الإسلامية التي يحكمها العسكر، من إندونيسيا إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. وحتى إيران، حيث يسيطر الحرس الثوري على ثلث اقتصاد البلاد تقريبا، تأثرت إلى حد كبير عندما أثارت نتائج الانتخابات الرئاسية في عام 2009 احتجاجات كبيرة مناهضة للحكومة في طهران وغيرها من المدن الكبرى.

ولكن نزع الصفة العسكرية يعني ما هو أكثر من مجرد نقل السلطة وصنع القرار السياسي من القوات المسلحة إلى برلمانات منتخبة. في كتابهما الصادر مؤخراً بعنوان "لماذا تفشل الأمم" يقترح الخبيران الاقتصاديان دارون أسيموجلو وجيمس روبنسون أن الانتخابات ــ حتى تلك الحرة النزيهة ــ لا تنقل المجتمعات بالضرورة من أنظمة "استخلاصية" إلى أنظمة "شاملة" على حد وصفهما. والواقع أن استخلاص ثروات دولة ما لكي يستخدمها أهل النخبة من الممكن أن يحدث حتى في المجتمعات الديمقراطية عندما لا يحكم سلوك هؤلاء الذين يهيمنون على النظام السياسي أي قيود غير الانتخابات الدورية.

وهنا تدخل إلى الصورة الجهود الرامية إلى وضع آليات لضبط وموازنة سلوكيات النخبة. والواقع أن البحث عن هذه الآليات هو على وجه التحديد ما يجري الآن في باكستان.

ففي باكستان، اضطرت المؤسسة العسكرية التي فقدت مصداقيتها تحت ضغوط الرأي العام إلى الانسحاب من السلطة، الأمر الذي أدى إلى خلق حيز سياسي للممثلين المنتخبين. ولقد تولوا السلطة بالفعل (ولو أن سلطتهم لم تمتد إلى المؤسسة العسكرية)، ولكن حكمهم لم يتسم بالحكمة. ففي حين تزايدت ثرواتهم الشخصية، اتجهت مستويات معيشة كل من عداهم إما إلى الركود أو الانحدار بالنسبة لمجموعات الدخل الأدنى. لذا فبينما تعالج باكستان عملية الانتقال السياسي، فإنها تواجه تراجعاً اقتصادياً كبيرا.

ونتيجة لهذا فإن النظام القضائي ووسائل الإعلام والعديد من منظمات المجتمع المدني منهمكة الآن في محاولات لا ترمي إلى الإبقاء على العسكر في ثكناتهم فحسب، بل وأيضاً تقييد سلوكيات المؤسسة السياسية النهابة.

الآن، تَعِد ثلاث قضايا منظورة أمام المحكمة العليا المتزايدة الحزم بنقل باكستان من مرحلة نزع الصفة العسكرية من الدولة إلى نظام حيث يمكن فرض ضوابط ذات معزى على هؤلاء الذين يتولون السلطة. وإحدى هذه القضايا عبارة عن محاولة لإرغام إدارة رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني على إعادة فتح الدعوى في المحكمة السويسرية التي كانت تفحص اتهامات بغسل الأموال وسوء استخدام الأموال العامة موجهة إلى الرئيس آسف علي زرداري. وكانت الدعوى القضائية قد أوقفت بطلب من الحكومة الباكستانية عندما أصبح زرداري رئيسا.

وفي القضية الثانية، تريد المحكمة العليا أن تتحمل الهيئات الاستخباراتية العسكرية الباكستانية المسؤولية عن المئات، إن لم يكن الآلاف، من الأشخاص المفقودين الذين كانوا محتجزين كجزء من الحملات التي شنتها هذه الهيئات لاحتواء صعود التطرف الإسلامي، أو لتقويض طموحات الانفصاليين في منطلقة بلوشستان المضطربة.

أما القضية الثالثة فقد أعادت فتح شكوى قديمة تقدم بها أحد الساسة قبل عقود من الزمان ضد "الثلاثي" ــ الذي تالف من الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس أركان الجيش ــ الذي كان يحكم باكستان آنذاك. ولقد زعم المدعي أن مبالغ كبيرة من الأموال تم توجيهها إلى المرشحين المفضلين لدى ذلك الثلاثي لخوض الانتخابات العامة في عام 1990، والتي حقق فيها حزب نواز شريف نصراً كبيراً على حزب بينظير بوتو (حزب الشعب).

وأخيرا، تمر باكستان بمرحلة انتقال حيث تتحرك السلطة من الإدارة المركزية إلى حكومات الأقاليم. وهذا هو على وجه التحديد ما قضى به التعديل الثامن عشر للدستور والذي تم تبنيه في عام 2010، ولكن التنفيذ يؤجَّل من قِبَل الأحزاب التي تفضل بنية سياسية شديدة المركزية.

إذا نجح تحول النظام السياسي في باكستان، فقد تخدم كنموذج لدول مسلمة أخرى تحاول الانتقال من النظام الاستخلاصي إلى النظام الشامل في الحكم. ولقد قطعت تركيا بالفعل شوطاً طويلاً على هذا المسار. وإذا تقدمت باكستان أيضاً على نفس المسار، فإن نزع الصفة العسكرية من السياسة في أماكن أخرى من العالم الإسلامي قد لا يتأخر كثيرا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedLeo Arouet

    Una de las debilidades de los países en desarrollo es que éstos se enfrentan a graves situaciones cotidianas de corrupción. Si además sumamos los atentados contra los derechos humanos podremos reconocer fácilmente a los gobiernos autoritarios que gobiernan...

Featured