تُـعَـد ألمانيا السوق الصناعية المفتوحة (البازار) الأكبر في للعالم. ولا تستطيع دولة أخرى أن تقدم لعملائها الدوليين مثل هذه المجموعة المتنوعة من المنتجات الصناعية التي تقدمها ألمانيا. فهي تحتوي على 450 من أكبر شركات العالم في مجال المنتجات المصنعة وفقاً للطلب، وعلى أرضها يقام خمسة عشر من أضخم عشرين معرضاً تجارياً على مستوى العالم. كما تأتي ألمانيا على رأس قائمة الدول المصدرة للسلع التجارية وتحتل المرتبة الثانية كأضخم دولة مصدرة للسلع الـمُـصَـنَّـعة والخدمات.
لكن ألمانيا تتحول تدريجياً إلى سوق مفتوحة على نحو آخر، وذلك لأنها اليوم أصبحت متخصصة في تعبئة وبيع منتجاتها، بينما تنقل حصة متزايدة من صناعاتها ذات القيمة المضافة العالية إلى دول أخرى حيث الأجور المتدنية. وبعبارة أخرى، فإن الدور الذي تلعبه ألمانيا في الاقتصاد العالمي يتحول على نحو تدريجي من دور المنتج إلى دور التاجر. ونتيجة لهذا فقد أصبحت صادراتها تشتمل على حصة متزايدة من السلع والخدمات المستوردة في الأصل، بينما أخذت الحصة من القيمة المضافة المحلية في صادراتها عن كل وحدة من الناتج في الانحدار السريع.
ولا يعني هذا أن الحصة مـن الصادرات المصنعة فـي ألمانيا في انخفاض على نحو مطلق. بل يعني فقط أن الحجم الكلي للصادرات الألمانية يرتفع على نحو أسرع من ارتفاع القيمة المضافة الألمانية الإجمالية في هذه الصادرات.
ولكن تُـرى هل هذه ظاهرة طيبة أم سيئة؟ إن الخروج بتقييم مؤيد لهذه الظاهرة ليس من الممكن أن يرتكن فقط إلى حقيقة أن القيمة المضافة الإجمالية لألمانيا كانت في نمو متواصل، لأن هذا ببساطة ليس سوى مجرد تأثير ناتج عن تخصص ألمانيا في الإنتاج المرتبط بالتصدير. وحين تتخصص دولة ما في مجال بعينه، فإن رأس المال والعمالة يتحركان نحو ذلك المجال بمعدلات أسرع من تحركهما نحو المجالات الأخرى ـ والحقيقة أن النمو الذي تشهده القطاعات المرتبطة بالتصدير قد يأتي على حساب الانحدار الذي لابد وأن تعاني منه قطاعات أخرى. أو نستطيع بعبارة أخرى أن نقول إن هناك ما يسمى بـِ "الإفراط في التخصص".
ولكن إذا أردنا أن نخرج بتقييم سليم عما إذا كانت ألمانيا تشهد بالفعل إفراطاً في التخصص فلابد لنا من التركيز على سوق العمالة، حيث يكون تأثير التخصص أشد وضوحاً. ولكن للأسف، ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل. ففي الفترة منذ عام 1995 وحتى عام 2004، خسرت ألمانيا ما بلغ مجموعه 1.09 مليون وظيفة مكافئة بدوام كامل في مجالي التصنيع والتجارة. وفي ذات الوقت لم تنشأ فرص عمل جديدة في المجالات الأخرى من الاقتصاد. بل إن ما حدث هو العكس، فقد انخفضت معدلات التوظيف في المجالات الأخرى غير التصنيع والتجارة. أي أن الاقتصاد الألماني ككل تعرض في الإجمال لخسارة 1.26 مليون وظيفة مكافئة بدوام كامل.
والحقيقة أنه منذ انهيار الشيوعية، كانت نسبة الانحدار في معدلات التوظيف في مجال الصناعة في ألمانيا أكبر من أي دولة أخرى من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ولقد كان ذلك راجعاً على نحو جزئي إلى انحدار معدلات التوظيف في ألمانيا الشرقية سابقاً. ولكن حتى ألمانيا الغربية تحتل المرتبة قبل الأخيرة بين كافة الدول المتقدمة.
كانت صناعات السيارات والهندسة الإلكترونية في مقدمة البنود المعروضة في اقتصاد السوق المفتوحة. ولكي تتمكن هذه الصناعات من الاحتفاظ بقدرتها على المنافسة على مستوى الأسعار فقد كان لزاماً عليها أن تعتمد على المكونات المستوردة. فقد تحول تصنيع المنتجات الكهربية، مثل الرقائق الإلكترونية والأجهزة الداخلية، بالكامل تقريباً إلى آسيا، بينما أصبحت حتى السيارات التي ما يزال تجميعها يتم في ألمانيا تعتمد بصورة كبيرة على المكونات المنتجة في أوروبا الشرقية.
نستطيع أن نفسر تزامن البطالة مع الازدهار الحاصل في مجال التصدير بمشكلة الأجور المرتفعة الثابتة التي ما زالت ألمانيا تعاني منها. ونتيجة لسياسات الضمان الاجتماعي والنقابات العمالية العدوانية، فقد أصبحت ألمانيا صاحبة الرقم القياسي على مستوى العالم في التكلفة الكلية عن كل ساعة عمل طيلة القسم الأعظم من العقدين الماضيين؛ ومؤخراً فقط احتلت الدنمرك مركز الصدارة في هذا المجال بعد أن رفعت قيمة عملتها (الكرونا). وإن المغالاة في الأجور تؤدي بسرعة بالغة إلى تخريب مراحل الإنتاج المتقدمة التي تتطلب أعداداً ضخمة من العمالة، كما أنها تعمل على تعويق القطاعات الأخرى التي تتطلب أيضاً أعداداً ضخمة من العمالة مثل قطاعات الصناعات النسجية، والخدمات البسيطة، والسياحة، والتعمير.
ونتيجة لهذا يصبح لزاماً على القطاعات ذات الأعداد الضخمة من العمالة أن تستغني عن أعداد كبيرة من العمالة ومقادير ضخمة من رأس المال، التي يتم ضخها إلى قطاعات التصدير التي تتطلب تمويلاً ضخماً والتي تستطيع أن تتحمل على نحو أفضل مشكلة الأجور المرتفعة. ولكن على الرغم من أن هذه القطاعات تشهد نمواً سريعاً، إلا أن ضخامة رؤوس الأموال اللازمة لتشغيلها تمنعها من استيعاب العمالة المستغنى عنها بشكل كامل، الأمر الذي جعل بعض العمال الذين أصبحوا بلا عمل لا يجدون ملاذاً إلا إعانات البطالة من الضمان الاجتماعي.
في ذات الوقت، ونظراً لانخفاض عائدات رأس المال بسبب الأجور المرتفعة، فقد تضاءلت معدلات الاستثمار إلى حد كبير وأصبح فائض الادخار الناتج عن الاستثمار يتدفق إلى الخارج في هيئة صادرات رأسمالية. كما تباطأت معدلات النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، بينما ارتفعت الصادرات إلى حد هائل.
ومما يثير الدهشة أن العديد من الناس يفسرون الازدهار الذي تشهده ألمانيا في مجال الصادرات والفائض الحالي في الحساب الجاري والذي يعمل كمقياس لصادرات رأس المال، باعتباره مؤشراً لقوة ألمانيا كموقع صالح للاستثمار. ولكن طبقاً للبنك المركزي الألماني فإن صافي الاستثمارات في الخارج (بما في ذلك الاستثمارات المالية) قد بدأ خلال السنوات الأخيرة بالفعل يضاهي الاستثمارات المحلية تقريباً.
ولكن مع استمرار التباين والتباعد في العمالة على المستوى الدولي، فإن المحتوى المستورد الداخل في مكونات المنتجات الألمانية سوف يستمر في التزايد، وهو ما يعني بدوره أن ارتفاع الصادرات سوفي يؤدي إلى انخفاض فرص العمل المحلية وانخفاض في معدلات نمو الدخل. وما لم يتقبل العمال في ألمانيا الحاجة إلى قدر أكبر من المرونة في مواجهة المنافسة العالمية، فلسوف تظل عائدات التصدير تستثمر خارج ألمانيا، فتنخفض التكاليف الكلية للإنتاج ـ وتتعزز ظاهرة اقتصاد السوق المفتوحة (البازار) في الداخل.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.