Thursday, August 28, 2014
0

برازيل الوفرة

منذ الفوز الانتخابي الأول الذي حققه الرئيس لويس إهناسيو لولا دا سيلفا في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2002، تضاعفت قيمة سوق الأوراق المالية في البرازيل إلى أربعة أمثالها، إذا ما قيست بمؤشر بوفيسبا لتصحيح التضخم. فضلاً عن ذلك فإن الارتفاع الحاد الذي بلغته الآن يكاد يكون ضعف الارتفاع الذي حققته في العام 2000. وفي المقابل ارتفع مؤشر شنغهاي بعد تصحيح التضخم إلى الضعف فقط أثناء نفس الفترة، بينما لم تحقق سوق الأوراق المالية الأميركية سوى زيادة بلغت 50% فقط، قياساً بمعيار ستاندارد آند بور 500 لتصحيح التضخم. والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تشهد من قبل قط زيادة في أسعار الأوراق المالية بلغت أربعة أمثال خلال فترة تقل عن الخمسة أعوام، حتى أثناء فترة الازدهار التي شهدتها نهاية التسعينيات.

إذا ما علمنا أن لولا يساري صريح يعتبر هوغو شافيز و فيدل كاسترو من بين أصدقائه، فلابد وأن تزداد دهشتنا إزاء أداء البرازيل. فكيف تسنى له أن يشرف على مثل هذا الازدهار الهائل الذي شهدته سوق الأوراق المالية في البرازيل؟ تُـرى هل نستطيع أن نقول إن البرازيليين أكثر تحمساً مما ينبغي؟ وهل آن الأوان كي يفر المستثمرون الأجانب بأموالهم من البرازيل؟

مما لا شك فيه أن تفسير تحركات سوق الأوراق المالية ليس بالمهمة اليسيرة، ولكن هناك من الأسباب ما يجعلنا نعتقد أن الوفرة التي تشهدها البرازيل اليوم ليست طائشة. فقد شهدت مكاسب الشركات في البرازيل نمواً يعادل تقريباً نمو أسعار الأوراق المالية. ومع بقاء نسبة السعر إلى المكسب مستقرة ومعتدلة، فإن هذا يشير إلى أن ازدهار سوق الأوراق المالية لا يعكس مجرد حالة نفسيه يمر بها المستثمرون.

بل إن الأمر على العكس من ذلك، والتساؤل الحقيقي الآن هو لماذا لم تتجاوز أسعار الأوراق المالية سرعة نمو مكاسب الشركات. فأثناء فترة التسعينيات، كان الارتفاع الذي شهدته سوق الأوراق المالية في الولايات المتحدة (مثلها في ذلك كمثل العديد من البلدان) ناتجاً عن ارتفاع لم يسبق له مثيل في نسبة السعر إلى المكاسب. ففي العام 1998 كانت نسبة السعر إلى المكاسب في الولايات المتحدة 24، مقارنة بمتوسط تاريخي بلغ حوالي 15. وعلى النقيض من ذلك بدأ ارتفاع أسعار الأوراق المالية في البرازيل من نقطة مختلفة تماماً، حيث لم تكن نسبة السعر إلى المكاسب تتجاوز الستة في العام 1998.

حين يبلغ ازدهار إحدى الأسواق المالية مستويات تاريخية غير مسبوقة، تنشأ التفسيرات لتسويغ ما حدث. وتسوق أجهزة الإعلام الإخبارية الأسباب لتبرير وجهة النظر التي تؤكد أن الاقتصاد قد دخل إلى "عصر جديد". وفي بعض الأحيان تكون هذه القصص مجرد تلفيق لإضفاء الشرعية على حالة التفاؤل التي تشهدها السوق، كما حدث أثناء ازدهار التسعينيات. ولكن في أوقات أخرى، تبدو المبررات أكثر رسوخاً.

يقول لولا إن الاقتصاد البرازيلي يمر "بلحظة سحرية". ورغم أن مثل هذه الكلمات تستوجب الحذر، إلا أن أساسيات الاقتصاد تؤكد وجود مثل هذه اللحظات. فقد ظلت قيمة العملة الحقيقية تتعزز بصورة ثابتة، حتى بلغت ضعفي قيمتها تقريباً في مقابل الدولار في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2002، حين انتخب لولا لأول مرة. فضلاً عن ذلك فإن معدلات التضخم وأسعار الفائدة في انخفاض، كما حققت البرازيل فائضاً تجارياً، والاستثمار الأجنبي يتدفق إليها بمعدلات مرتفعة، كما سددت الحكومة ديونها إلى الدائنين الأجانب، بل لقد تحولت البرازيل إلى دائن صافٍ لبقية العالم.

وعلى هذا، يبدو أن المستثمرين في الأوراق المالية قد أدركوا الحيوية الاقتصادية التي تشهدها البرازيل الآن، وهم الآن يراقبون بحرص ارتفاع مكاسب الشركات. وبعد أن كان المساهمون من البرازيليين هم فقط المتفائلين بسوق الأوراق المالية البرازيلية منذ العام 2002، أصبح الآن المستثمرون من كافة أنحاء العالم يرغبون في الانضمام إلى الحفل.

فضلاً عن ذلك، ونظراً لفضائح الفساد التي تورطت فيها شخصيات حكومية بارزة كانت قد برزت إلى النور خلال الأعوام القليلة الماضية، فمن الطبيعي أن نتساءل عن السبب الذي تمكنت سوق الأوراق المالية بفضله من الاحتفاظ بقوتها على هذا النحو. لماذا لم تتسبب قصص الفساد في إحداث أزمة شبيهة بما أحدثته قصص الفضائح في كوريا وماليزيا أثناء الأزمة المالية التي شهدتها آسيا خلال العامين 1997 و1998؟ رغم الفضائح التي هزت الحكومة، إلا أن لولا أعيد انتخابه بأغلبية ساحقة في العام الماضي، وما زال المستثمرون يصبون أموالهم في سوق الأموال المالية البرازيلية.

من الأسباب التي قد تفسر هذا أن تلك الفضائح كانت بمثابة الفرصة للمستثمرين لكي يشهدوا بأعينهم حرية التعبير والديمقراطية في البرازيل. فلم يهدأ معلقو الصحف ومحطات التلفاز ولم يتوانوا في تقديم التقارير عن الفضائح، الأمر الذي ساعد في طمأنة المستثمرين البرازيليين والأجانب إلى أن النظام السياسي في البرازيل مستقر إلى الحد الذي يسمح له بتقبل الانتقاد الصريح.

لقد ظل لولا محتفظاً بشعبيته بين البرازيليين لأن لغته الخطابية الشعوبية تبدي تعاطفاً حقيقياً مع من هم أقل حظاً من الثراء، وبين المستثمرين الأجانب لأنه كان حريصاً دوماً على تلطيف نزعته الراديكالية بحيث تستوعب الحقائق الاقتصادية. حتى أنه انتقد مؤخراً تهديدات الرئيس البوليفي إيفو موراليس بالاستيلاء على الأصول الأجنبية قائلاً: "إن التعصب لا يتفق مع الحس العقلاني المطلوب من أي شخص في سدة الحكم". والحقيقة أن هذه التوليفة من الراديكالية الفلسفية والواقعية الاقتصادية قد أثبتت نجاحها كصيغة ممتازة لتحقيق التقدم في البرازيل.

مما لا شك فيه أن المستقبل غير معلوم؛ فنحن لا نزعم أننا نعرف الغيب لكي نجزم بالمسار الذي قد يتبعه مؤش�� بوفيسبا في المستقبل. إلا أنني أعتقد أن الملابسات التي تحيط بالإنجاز البرازيلي اليوم أكثر إقناعاً من القصص والمبررات التي سمعناها أثناء موجة الازدهار التي شهدتها سوق الأوراق المالية في فترة التسعينيات.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured