Friday, September 19, 2014
0

إنهاء استعمار منطقة الفرنك

دكار ــ إن فرنسا تصارع الآن عبء الديون العامة والعجز الذي دفع ستاندرد آند بورز مؤخراً إلى خفض تصنيفها الائتماني. وعلى الرغم من خطر الركود الذي يلوح في الأفق الآن، فإن البلاد اضطرت إلى تنفيذ برنامج تقشف صارم. ولكن المحنة التي تعيشها فرنسا محسوسة أيضاً خارج حدودها، حيث كانت سبباً في إثارة شائعات حول احتمال خفض قيمة الفرنك الأفريقي، العملة المشتركة في منطقة الفرنك، والتي تضم 14 بلداً أفريقياً وجزر القمر في المحيط الهندي.

وتُعَد منطقة الفرنك في واقع الأمر منطقة اقتصادية تابعة للاقتصاد الفرنسي. فالفرنك الأفريقي قابل للتحويل إلى اليورو وتحويله بحرية إلى فرنسا، التي تسيطر شركاتها على نصيب الأسد في القطاع الخاص في منطقة الفرنك وتحصل على أغلب العقود العامة في المنطقة. وفي الواقع العملي، يشكل هذا صيغة أكيدة لهروب رأس المال الدائم.

يرتبط سعر الصرف الثابت للفرنك الأفريقي باليورو، ويقدر بأكثر من قيمته الحقيقية من أجل حماية الشركات الفرنسية من خفض قيمة اليورو. ولكن المغالاة في تقدير قيمة العملة يشكل أيضاً الأساس للافتقار إلى القدرة التنافسية والذي يحد من قدرة بلدان منطقة الفرنك على تنويع اقتصاداتها، وخلق القيمة المضافة، وتطوير نفسها. ومن المشين أن هذه البلدان لا تزال ملزمة بتسليم 50% من احتياطياتها من النقد الأجنبي إلى الخزانة الفرنسية كضمان لقابلية الفرنك الأفريقي المحدودة للتحويل وتحويله مجاناً إلى فرنسا.

وللحد من العجز العام المترتب على هذه السياسات، اضطرت دول منطقة الفرنك للخضوع لبرامج تعديل بنيوية صارمة طيلة فترة ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، تحت رعاية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وكان قيمة الفرنك الأفريقي قد سجلت انخفاضاً حاداً في عام 1994، فانخفض بالتالي حجم الديون الهائل. ومنذ ذلك الوقت، أبقى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عجز الموازنات في منطقة الفرنك تحت المراقبة المشددة، الأمر الذي أدى إلى الحد من التأثير المباشر للمخاوف المرتبطة بالديون السيادية في هذه البلدان.

ونتيجة لهذا، لم تعد الحاجة قائمة لخفض قيمة العملة مرة أخرى، ما لم تقرر فرنسا في نهاية المطاف خفضها، كما فعلت عدة مرت على مدى العقود الماضية. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اعتماد اليورو، خفضت فرنسا قيمة الفرنك الفرنسي أربع عشر مرة من أجل دعم قدرتها التنافسية ووارداتها، وكانت قيمة الفرنك الأفريقي تنخفض معه في كل مرة.

ولقد استفاد الاقتصاد الفرنسي، الذي يتمتع بقاعدة صناعية قوية فضلاً عن نشاط القطاعين الخاص، من قرارات خفض القيمة هذه، بفضل زيادة الصادرات (بما في ذلك الصادرات إلى المستعمرات الفرنسية السابقة في أفريقيا). ولكن أداء دول منطقة الفرنك لم يكن طيباً بهذا القدر. فبسبب الافتقار إلى الإنتاج الصناعي الناضج والتجارة داخل المجتمع، كان خفض قيمة العملة بالنسبة لهذه الدول يعني ارتفاع أسعار الواردات، والتضخم، وارتفاع معدلات البطالة.

كانت فرنسا تستغل احتياطياتها الأفريقية دوما، وخاصة في فترات الركود. فقد فعلت هذا في ثلاثينيات القرن العشرين، عندما ساعدت منطقة الفرنك فرنسا في النجاة من أزمة الكساد الأعظم، ثم مرة أخرى أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما مولت منطقة الفرنك المقاومة الفرنسية تحت قيادة الجنرال شارل ديجول للاحتلال الألماني. وقد يؤدي خفض قيمة الفرنك الأفريقي مرة أخرى اليوم إلى تقليص ديون فرنسا لمنطقة الفرنك وتعزيز صناعات التصدير الفرنسية المقامة في أفريقيا، ولكن هذا من شأنه أن يزيد من بؤس دول منطقة الفرنك.

من غير المستغرب إذن أن تعجز دول منطقة الفرنك عن اللحاق بأداء اقتصادات الدول المجاورة، والتي تمر بأكثر الفترات ازدهاراً في تاريخها. فمنذ عام 2000، كان متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي في الدول الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا يتراوح بين 5% إلى 7%، مقارنة بنحو 2,5% إلى 3% في دول منطقة الفرنك. وينبغي لهذه الفجوة أن تشجع دول منطقة الفرنك على رفض علاقاتها بفرنسا.

وهناك طريقتان لتحقيق هذه الغاية. فأولا، بوسع دول منطقة الفرنك أن تصدر عملة خاصة بها ــ وهو النهج الجذري الذي قد يواجه عقبات خطيرة. ذلك أن فرنسا تتمتع بنفوذ سياسي ساحق في مستعمراتها السابقة في أفريقيا، بما في ذلك حق النقض ضد قرارات البنكين المركزيين في منطقة الفرنك. وبالتالي فإن فرنسا قادرة على منع أي تحرك ترى أنه يشكل تهديداً لمصالحها. فضلاً عن ذلك فإن دول منطقة الفرنك، وهي دول صغيرة ولا تنتج النفط، تفضل تجميع احتياطياتها من أجل الحد من تعرضها للصدمات الخارجية.

وتتلخص الطريقة الثانية في إجراء إصلاح شامل للنظام. وهذا يستلزم ربط الفرنك الأفريقي ليس فقط باليورو بل وأيضاً بسلة من العملات الأخرى، وإلغاء سعر الصرف الثابت وقابلية الفرنك الأفريقي للتحويل، والتكامل الاقتصادي السريع. ولكن كما أظهرت المشاكل التي يواجهها اليورو حاليا، فإن العملة المشتركة تتطلب سياسات نقدية ومالية راسخة ومركزية، وهو ما يفترض تحقيق التكامل السياسي أولا ــ العملية التي من المرجح ألا تكون أقل صعوبة في أفريقيا مما هي عليه في أوروبا.

لا توجد إجابة سهلة لهذه المعضلة، ولكن الوقت حان كلي تبدأ المجموعتان الإقليميتان الرائدتان في منطقة الفرنك ــ الاتحاد الاقتصادي والنقدي لدول لغرب أفريقيا، والجماعة الاقتصادية والنقدية لدول وسط أفريقيا ــ الاضطلاع بدور حاسم في إصلاح بنية منطقة الفرنك. وقد لا يحظى هذا التحرك بإعجاب فرنسا، ولكن مصلحة مواطني الفرنك لابد أن تأتي أولا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured