Thursday, October 2, 2014
8

الاتصال بالمستقبل

نيودلهي ــ إن واحدة من الصور المفضلة لدي تُظهِر راهباً هندوسياً خرج للتو من مركز اقتراع ــ وهو عاري الجسد، وشعر رأسه وذقنه طويل ومعقد، وجبهته ملطخة بالرماد، ويلف مسبحة حول عنقه ــ وهو يدردش على الهاتف المحول. والواقع أن هذه الصورة المتباينة تنبئنا بالكثير عن أرض المفارقات التي تدعى الهند اليوم ــ البلد الذي تمكن، كما كتبت قبل عدة أعوام، من الحياة في عدة قرون في نفس الوقت.

هناك شيء خاص بوضوح بشأن الراهب الهندوسي وهاتفه المحمول، لأن التحول الذي حققته الهند في عالم الاتصالات في الأعوام الأخيرة كان هو الأكثر درامية وإثارة.

عندما غادرت الهند في عام 1975 للذهاب إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراستي العليا، ربما كان عدد سكان الهند نحو 600 مليون نسمة، وكان عدد خطوط الهاتف الأرضية في الهند بالكامل لا يتجاوز مليوني خط. وكان اقتناء هاتف آنذاك يُعَد ميزة نادرة: فإذا لم تكن مسؤولاً حكومياً مهما، أو طبيبا، أو صحافيا، فقد تظل على قائمة الانتظار الطويلة ولا تحصل على هاتف أبدا. وكان من بين المزايا التي يحصل عليها عضو البرلمان الحق في تخصيص خمسة عشر خطاً هاتفياً لمن يعتبره مستحقا.

فضلاً عن ذلك فإن الهاتف، إن كان لديك واحدا، لم يكن بالضرورة نعمة. فقد أمضيت سنوات دراستي الثانوية في كلكتا، وأتذكر أنني كنت عندما أرفع السماعة لا أضمن أنني قد أجد حرارة؛ وإذا وجدت الحرارة وأدرت رقما، فما كنت لأضمن الوصول إلى الرقم المطلوب، وكنت أسمع التعبير الغاضب "الرقم خطأ!" أكثر من العبارة الودودة "مرحباً بك".

وإذا أردت أن تتصل بمدينة أخرى، ولنقل دلهي، فكان عليك أن تتصل أولاً بالخط الرئيسي (الترنك)، ثم تنتظر بجانب الهاتف طيلة اليوم إلى أن تأتيك المكالمة. وإلا فكان عليك أن تدفع ثمانية أمثال ثمن المكالمة العادية لطلب "مكالمة برقية" ــ ولكن حتى المكالمة البرقية كانت بطيئة في الهند في تلك الأيام، لذا فإن الاتصال عن طريق مكالمة برقية كان يستغرق نصف ساعة بدلاً من الوقت المعتاد (ثلاث أو أربع ساعات، أو ربما أكثر).

ثم في عام 1984، عندما وقف أحد أعضاء البرلمان احتجاجاً على الأعطال الهاتفية المتكررة والأداء المروع عموماً لشركة القطاع العام المحتكرة، رد وزير الاتصالات آنذاك على الاحتجاج بطريقة وقورة قائلا: "في دولة نامية يُعَد الهاتف من الكماليات، وليس حقاً من الحقوق؛ والحكومة ليست ملزمة بتقديم خدم أفضل؛ وأي مواطن هندي لا يشعر بالرضا عن خدمة الهاتف فبوسعه أن يعيد هاتفه إلى الشركة، فهناك قائمة انتظار تصل إلى ثمانية أعوام".

والآن، فلننتقل بسرعة إلى اليوم. في الطبعة الأولى من كتابي "الفيل والنمر والهاتف الخلوي"، ذكرت أن الهند في إبريل/نيسان 2007 سجلت رقماً عالمياً جديداً ببيع سبعة ملايين هاتف خلوي شهريا، وتسجيل مكالمات هاتفية في شهر واحد أكثر من أي دولة أخرى على الإطلاق. وفي غضون الوقت الذي استلزم طباعة الكتاب وتوزيعه على المكتبات، كان ذلك الرقم قد أصبح قديماً بالفعل. وفي عام 2010، باعت الهند عشرين مليون هاتفاً خلوياً شهرياً لثلاثة أشهر على التوالي.

والآن تجاوزت الهند الولايات المتحدة بوصفها ثاني أضخم سوق للهواتف على مستوى العالم، حيث بلغ عدد بطاقات اشتراك الهاتف المحمول المتداولة نحو 857 مليون بطاقة، وعدد المستخدمين الأفراد نحو 600 مليون مستخدم. والأرقام في الصين أكثر، ولكن الهند متقدمة عليها في عدد الهواتف عن كل شخص، ومن المنتظر أن تتجاوز الهند الصين قبل نهاية عام 2012.

وأنا هنا لا أحتفل بانتصار الرأسماليين في الهند فحسب. إن الأمر العجيب في "معجزة الهاتف" (لا اشعر بالحرج من إطلاق هذا الوصف عليها) هو أنها أنجزت شيئاً أعلنت عنه سياساتنا الاشتراكية ولكنها لم تفعل إلا القليل لتحقيقه ــ فقد حسنت من أحوال الأشخاص الأقل حظا. والواقع أن المستفيدين ليسوا الأثرياء فحسب، بل وأيضاً الأشخاص الذين ما كانوا ليحلموا في الماضي بمجرد الانضمام إلى قائمة الانتظار للحصول على هاتف.

إنه لمصدر مستمر للبهجة في نظري أن أجد هواتف خلوية بين أيدي أخوتي المواطنين الأبعد عن التصور: سائقي سيارات الأجرة، والمزارعين، وصيادي الأسماك. وإذا زرت صديق لك في ضواحي دلهي، فسوف تلاحظ في الشوارع الجانبية رجلاً على عربة خشبية تبدو وكأنها مصممة في القرن السادس عشر، يستخدم مكواة بخارية تعمل بحرق الفحم تبدو كأنها اخترعت في القرن الثامن عشر، لكي ملابس من الحي. ولكن في أيامنا هذه يحمل أداة تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين في جيبه؛ والمكالمات الواردة في الهند مجانية غالبا، لذا فإنه لا يتكلف شيئاً لكي يعرف أين قد تكون خدماته مطلوبة.

مؤخراً قمت بزيارة إلى مزرعة ريفية يملكها أحد أصدقائي في كيرالا. ولقد سألني إن كنت أريد عصير جوز هند طازج؛ فقلت نعم، فسحب هاتفه الخلوي وطلب متجراً محليا. ثم سمعنا صوتاً يجيب "أنا هنا"، فنظرنا إلى الأعلى فكان هناك، على قمة أقرب شجرة جوز هند، مربوطاً بأدوات التسلق ويحمل بلطة في إحدى يديه وهاتفاً خلوياً في اليد الأخرى.

والصيادون يأخذون الهواتف الخلوية إلى البحر لكي يتصلوا ببلدات السوق على الساحل في طريق عودتهم إلى الشاطئ لكي يروا ما إذا كان بوسعهم الحصول على أفضل أسعار لحصيلة صيدهم. كان المزارعون يضطرون إلى إرسال أحد أقاربهم من ذوي البنيان القوي ــ ربما صبي في العاشرة من عمره ــ في مسيرة شاقة إلى البلدة تحت قيظ الشمس لكي يعرفوا ما إذا كانت السوق مفتوحة، وما إذا كان بوسعهم أن يبيعوا محاصيلهم، وإذا كان الأمر كذلك فبأي سعر. والآن يوفرون نصف يوم بإجراء مكالمة تستغرق دقيقتين.

لقد مكَّن الهاتف المحمول الطبقات الدنيا في الهند على نحو عجز عن تحقيقه الحديث عن الاشتراكية طيلة 45 عاما. وفي الهند الجديدة أصبحت الاتصالات المظهر الأعظم للمساواة بين البشر.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (8)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedMURALI KRISHNA HARI

    I don't understand what Shashi Tharoor want to express. Projecting Cell phone revolution as a great achievement is naive. Poor are getting attracted to luxuries. What is needed is revolution in Education, Social and Health sectors.

  2. CommentedKrishnam Raju

    And apart from the Free Incoming Call facility Indian Government is working towards All India Local or No Roaming for all networks. This will be a huge advantage for every India especially Indians in rural areas. Am I right site?

  3. CommentedKrishnam Raju

    Sir do you think we as Indians should give credit to Dheerubai Ambani for his mobile revolution?

  4. CommentedMarc Laventurier

    If India's triumphant capitalists can be said to have performed a “mobile miracle” by importing prepackaged technologies, then Claude Shannon should be enshrined in the Hindu pantheon.

    Mr. Tharoor makes the common & naive mistake of ascribing to capital all progress, even when it is in it's essence cognitive. But the Invisible Hand is so mystical, it's mudras so hypnotic...

  5. Commentedjames durante

    What is extraordinary is how new technology, and especially gushing about it, makes a basic task like critical thinking so difficult. Tharoor is comparing cell phones and socialism? It's like apples and orangutans.

    Socialism helped India break the stranglehold of the British empire and maintain a high degree of autonomy during the cold war. Cell phones help people communicate. But technology derives from western metaphysics, with its separation of Man from "Nature," its object/subject dichotomy, its quest for total mastery. Perhaps India will retain some of its unique Indian socialism and not fall under the full sway of western technological metaphysics and will to mastery. Otherwise, the "sadhu" with cell phone will soon be a caricature of the "old India."

  6. CommentedZsolt Hermann

    Very nice article showing the power and effect of the enabled connections in between us.
    Today when we realize that we live in a global, integral world, where through mass scale physical migration, economical or financial ties, culturally or even virtually we are tied together on multiple levels, we have to figure out only one thing: how can we use these unbreakable ties in between us in a positive manner, so we create a global, supra national, mutual balance in between us that could serve as foundation for the building of a sustainable future for the whole of humanity.

  7. CommentedDiana Hinova

    "incoming calls in India are free under most calling plans, so it costs him nothing to find out where his services are needed."
    These are exactly the enabling (and market capture) policies that must be retained if communications are to keep their empowering-the-underclass nature, but sadly they are quick to disappear when either the market begins to saturate, or incomes begin to rise.

Featured