Saturday, October 25, 2014
1

ظلال صينية

نيويورك ــ إن الصين تعيش الآن وقتاً مشوقاً للغاية. فقد أُسقِط بو تشي لاي، أحد كبار المسؤولين في الحزب الشيوعي ــ متهماً بارتكاب جرائم تشمل التنصت على غير من زعماء الحزب، بما في ذلك الرئيس هو جين تاو ذاته ــ في حين يجري التحقيق مع زوجته فيما يتصل بدورها المزعوم في جريمة قتل رجل أعمال بريطاني. ومن ناحية أخرى، يهرب ناشط كفيف في مجال حقوق الإنسان من الإقامة الجبرية غير القانونية، ليلجأ إلى سفارة الولايات المتحدة في بكين، ولا يترك المجمع إلا بعد مزاعم بأن السلطات الصينية في مسقط رأسه تهدد أفراد عائلته.

وعلى الرغم من التغطية الإعلامية المكثفة لهذه الأحداث، فمن اللافت للنظر أن ما نعرفه عنها بالفعل الآن ضئيل للغاية. فقد زعمت بعض التقارير أن جثمان رجل الأعمال البريطاني أحرق قبل إجراء أي تشريح للجثة. ولم يتم إثبات أي من الحكايات الرهيبة عن زوجة بو. ويظل السبب وراء العار السياسي الذي لحق بزوجها غامضا، على أقل تقدير.

وتميل الأمور دوماً إلى إثارة الاهتمام في الصين قبل المؤتمر الشعبي الوطني، حيث يتم تعيين زعماء الحزب القادمين. إن تغيير الزعامة في أغلب الدول الديمقراطية يتم وفقاً لعملية شفافة نسبيا: فهو يترتب على انتخابات وطنية. لا شك أن حتى الديمقراطيات المفتوحة تمارس قدراً من المناورات الواضحة وعقد الصفقات فيما اصطلح على وصفه بغرف الدخان. ويصدق هذا بشكل خاص على دول شرق آسيا، مثل اليابان.

أما في الصين فإن كل شيء يتم بعيداً عن الأنظار. ولأن المسؤولين لا يمكن إزاحتهم عن طريق الانتخابات، فلابد من إيجاد وسائل أخرى لحل النزاعات السياسية. وفي بعض الأحيان يستتبع هذا التنظيم المتعمد لأحداث مثيرة.

ومن المؤكد أن العار الذي لحق ببو، زعيم الحزب السابق في تشونج شينج، يندرج تحت هذه الفئة. إن بو، الشعبوي الوسيم صاحب الكاريزما الذي ولِد بين أهل النخبة في الحزب، كان معروفاً عنه كونه مسؤولاً صارما، وكثيراً ما كانت أساليبه في مكافحة الجريمة المنظمة ــ وكل من يعترض طريقه ــ غير مقيدة بالقانون. أما رئيس الشرطة السابق تحت رئاسة بو، والذي يُقال إنه كان يتولى الأعمال القذرة، فقد تسبب في حرج شديد للحزب عندما هرب إلى قنصلية الولايات المتحدة في تشنج دو في شهر فبراير/شباط، بعد أن اختلف مع رئيسه. وعلى الرغم من حنين بو إلى لغة ماو تسي تونج الخطابية فهو فاحش الثراء. ولقد وصفت الصحافة بالتفصيل المسرف حياته الباذخة المسرفة كطالب في جامعتي أكسفورد وهارفارد.

وبعبارة أخرى، كان بو يحمل كافة سمات زعماء العصابات: الفساد، وعدم الشفقة في التعامل مع أعدائه، وازدراء القانون، إلا أنه كان رغم ذلك أخلاقياً في تقديمه لنفسه. ولكن نفس الشيء من الممكن أن يُقال عن أغلب زعماء الحزب في الصين. فجميعهم يملكون من المال أكثر مما يمكن تفسيره برواتبهم الرسمية. وأغلبهم لديهم أبناء يدرسون في جامعات بريطانية وأميركية باهظة المصاريف. وجميعهم يتصرفون وكأنهم فوق القانون الذي يقيد المواطنين العاديين.

ولكن السمة غير العادية في بو هي أن طموحه كان صريحاً بغير تحفظ. والمفترض في زعماء الحزب في الصين، مثلهم كمثل الساسة في اليابان ــ أو في واقع الأمر زعماء المافيا ــ أن يكونوا متحفظين في إظهار شهيتهم للسلطة. أما بو فكان يتصرف على نحو أشبه بسياسي أميركي. وكان يحب الظهور في الأماكن العامة. وكان كل هذا كافياً لإزعاج زعماء الحزب الآخرين.

وبما أن التنافس الطائفي داخل الحزب لا يمكن التعامل معه بحذر، فإن بعض زملاء بو شعروا بأنه لابد أن يرحل. والطريقة التي يتخلص بها زعماء الحزب، في الصين وعلى نفس النحو تقريباً في اليابان، من المنافسين المزعجين تتلخص في إسقاطهم عن طريق فضائح علنية، يتم تسريبها إلى الصحافة المطيعة، والتي تصب الوقود على النار لتزيدها اشتعالا.

والواقع أن ظهور زوجة الشرير في الفضائح الصينية العامة يشكل ظاهرة شائعة. فعندما طهر ماو تسي تونج حزبه من أقدم زعمائه، ليو شاو تشي، أثناء الثورة الثقافية، عُرِضَت زوجة ليو في الشوارع وهي ترتدي كرات تنس الطاولة حول رقبتها كرمز للوضاعة والانحلال والإسراف. وبعد وفاة ماو ذاته، ألقي القبض على زوجته وقدمت باعتبارها ليدي ماكبث الصينية. ومن المحتمل أن تهمة القتل الموجهة إلى جو كاي لاي، زوجة بو، جزءاً من هذا المسرح السياسي.

الواقع أن سقوط بو من عليائه لم يشمل زوجته فحسب، بل وأيضاً أفراد أسرته بالكامل. وهذا أيضاً تقليد صيني. فالأسرة لابد أن تتحمل المسؤولية عن جرائم أي فرد من أفرادها. ومن ناحية أخرى، فإنهم يستفيدون من توليه لمنصب كبير، كما كانت الحال مع العديد من أقارب بو وزوجته، التي ازدهرت تجارتها عندما كان في السلطة.

لقد اشتمل الأمر على قدر عظيم من التكهنات فيما يتصل بالعواقب المترتبة على سقوط بو، وعملية الهروب الجريئة التي نفذها الناشط الحقوقي، تشين جوانج تشينج، بعد ثمانية عشر شهراً من الإقامة الجبرية في منزله. ولكن هل يؤدي هروبه إلى سفارة الولايات المتحدة إلى تصلب مواقف زعماء الصين؟ وهل يرغم هذا الحدث الولايات المتحدة على التعامل بشكل أكثر صرامة مع انتهاكات حقوق الإنسان في الصين؟ وإذا حدث هذا، فما الذي قد يترتب عليه؟

ولأن بو قدم نفسه كزعيم شعبوي منتقد للرأسمالية الصينية الحديثة ومروج مستبد للقواعد الأخلاقية الماوية، فإن هذا كان يعني ظهور أعدائه الطبيعيين داخل قيادة الحزب باعتبارهم الزعماء الأكثر "ليبرالية"، الذين يفضلون رأسمالية السوق الحرة بل وربما حتى بعض الإصلاحات السياسية. كما يعني ظهور رئيس الوزراء الحالي ون جيا باو بوصفه زعيماً لهذا الفصيل. ولقد ألقى العديد من الخطب عن الحاجة إلى الإصلاح الديمقراطي، كما انتقد بو علنا. ولقد طلب منه تشين أن يحقق في انتهاكات ضده هو وأفراد أسرته.

هل من الممكن أن يؤدي سقوط بو إذن إلى مجتمع أكثر انفتاحا، وأقل عدائية في التعامل مع الأصوات المعارضة؟ ولكن هل من المحتمل أن يكون الشيوعيون الصينيون الذين يفضلون المزيد من الليبرالية الاقتصادية أكثر تقبلاً أيضاً لمجتمع أكثر انفتاحا؟ قد يكون العكس أيضاً صحيحا: فكلما اتسعت الفوارق في الثورة، وكلما ازدادت أعداد المحتجين على التفاوت الاقتصادي، كلما كان النظام أكثر ميلاً إلى فرض إجراءات صارمة على المعارضين.

ليس المقصود من هذا النوع من القمع حماية الشيوعية، ناهيك عن القليل المتبقي من الماوية. بل إن الأمر على العكس من ذلك تماما، فالمقصود من القمع هنا حماية النمط الذي تبناه الحزب الشيوعي الصيني من الرأسمالية. ولعل هذا هو السبب الذي أكد على ضرورة الإطاحة ببو، ومن المؤكد أنه السبب الذي جعل معارضين مثل تشين، وكذلك أفراد أسرته، عُرضة لقد عظيم من المعاناة، حتى بات اللجوء إلى سفارة دولة أجنبية بمثابة الخيار اليائس الأخير المتاح لهم.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

Featured