Sunday, October 26, 2014
0

الصين ونقطة التحول

نيوهافين ـ في أوائل شهر مارس/آذار من المقرر أن يعلن المؤتمر الوطني لنواب الشعب في الصين موافقته على الخطة الخمسية الثانية عشرة. ومن المرجح أن يتذكر التاريخ هذه الخطة بوصفها واحدة من أجرأ المبادرات الاستراتيجية التي تبنتها الصين على الإطلاق.

فمن حيث جوهرها، سوف تغير هذه الخطة طبيعة النموذج الاقتصادي في الصين ـ الانتقال من البنية التي تعتمد على التصدير والاستثمار والتي دامت طيلة الأعوام الثلاثين الماضية إلى نمط من النمو يدفعه المستهلكون الصينيون على نحو متزايد. وهذا التحول سوف يخلف تأثيرات عميقة بالنسبة للصين، وبقية آسيا، والاقتصاد العالمي ككل.

ومثلها كمثل الخطة الخمسية الخامسة التي مهدت الطريق أمام "الإصلاحات والانفتاح" في أواخر سبعينيات القرن العشرين، والخطة الخمسية التاسعة التي حولت الشركات المملوكة للدولة باتجاه السوق في منتصف التسعينيات، فإن الخطة المقبلة سوف تحمل الصين على إعادة النظر في افتراضات القيمة الأساسية لاقتصادها. ولقد أرسى رئيس مجلس الدولة ون جيا باو الأساس لهذا قبل أربعة أعوام، حينما أعلن لأول مرة عن المفارقات الأربع ـ الاقتصاد الذي تحجب قوته على السطح بنية أصبحت على نحو متزايد "غير مستقرة، وغير متوازنة، وغير منسقة، وغير مستدامة في نهاية المطاف".

إن أزمة الركود الأعظم التي شهدها العالم أثناء الفترة 2008-2009 تشير إلى أن الصين لم يعد بوسعها أن تتعامل مع تلك المشاكل الأربع باعتبارها تقديرات نظرية. والواقع أن عصر ما بعد الأزمة من المرجح أن يتسم بتوابع دائمة في بلدان العالم المتقدم ـ على نحو يعمل على تقويض الطلب الخارجي الذي طالما اعتمدت عليه الصين. وهذا لا يترك أمام الحكومة الصينية خياراً غير التحول باتجاه الطلب الداخلي والتصدي لهذه المشاكل الأربع بشكل مباشر.

ومن المفترض أن تتولى الخطة الخمسية الثانية عشرة هذه المهمة على وجه التحديد، وذلك من خلال التركيز على ثلاث مبادرات كبرى معزز للاستهلاك. فأولا، سوف تبدأ الصين بفطام نفسها عن نموذج التصنيع الذي أسس للنمو القائم على التصدير والاستثمار. ففي حين خدم نهج التصنيع الصين طيلة ثلاثين عاما، فإن اعتماده على سبل تعزيز الإنتاج القائمة على الاستثمار الرأسمالي المكثف وتوفير العمالة يجعله غير قادر على استيعاب الفائض الهائل من العمالة في البلاد.

ولكن الصين، بموجب الخطة الجديدة، سوف تتبنى نموذج الخدمات القائم على العمالة الكثيفة. وإننا لنأمل أن تقدم خطة مفصلة لتنمية الصناعات القائمة على المعاملات الكثيفة على نطاق واسع، مثل تجارة الجملة والتجزئة، والنقل الداخلي وسلاسل الإمداد، والرعاية الصحية، والترفيه والضيافة.

إن هذا التحول من شأنه أن يزود الصين بإمكانات أعظم كثيراً فيما يتصل بخلق فرص العمل. إن محتوى عمل الوحدة من الناتج الصيني يتفوق بنسبة 35% في قطاع الخدمات على قطاعي التصنيع والبناء، وهذا يعني أن الصين قادرة بالفعل على تحقيق أهداف تشغيل العمالة في ظل نمو أبطأ للناتج المحلي الإجمالي، وأن الخدمات أقل استهلاكاً للموارد من التصنيع ـ الأمر الذي يحقق للصين المزايا المتمثلة في نموذج النمو الأكثر نظافة واخضرارا.

وسوف تسعى المبادرة الثانية المعززة للاستهلاك في إطار الخطة الجديدة إلى تحسين الأجور. وسوف يكون التركيز الأساسي على الأجور المتراجعة للعمال الريفيين، الذين لا يتجاوز نصيب الفرد منهم في الدخل 30% من نصيب سكان المناطق الحضرية ـ وعلى وجه التحديد العكس تماماً لطموح الصين إلى "مجتمع أكثر تناغما". ومن بين الإصلاحات هناك السياسات الضريبية الرامية إلى تعزيز القوة الشرائية في المناطق الريفية، والتدابير التي تهدف إلى توسيع ملكية الأراضي الريفية، والبرامج التكنولوجية الساعية إلى زيادة الإنتاجية الزراعية.

ولكن التأثير الأعظم سوف يأتي بلا شك من السياسات الرامية إلى تعزيز الهجرة المستمرة السريعة من المناطق الريفية إلى المدن. فمنذ عام 2000 كان معدل الهجرة السنوية من الريف إلى المناطق الحضرية يتراوح بين 15 إلى عشرين مليون نسمة. ولكي تستمر معدلات الهجرة على هذه الوتيرة فيتعين علي الصين أن تخفف من قيود نظام تسجيل الأسر، الذي يحد من مرونة سوق العمالة من خلال ربط العمال والمزايا التي يحصلون عليها بمحل الميلاد.

إن تعزيز فرص العمل عن طريق الخدمات، ورفع الأجور من خلال زيادة الدعم المقدم للعمال الريفيين، من شأنه أن يقطع شوطاً طويلاً نحو رفع الدخل الشخصي للمواطن الصيني، الذي لا يتجاوز مجموعه الآن 42% من الناتج المحلي الإجمالي ـ أي نصف المستوى في الولايات المتحدة. ولكن الأمر سوف يتطلب ما هو أكثر من مجرد رفع مستويات نمو الدخل من خلال العمل من أجل تعزيز الاستهلاك الخاص في الصين. والأمر يتطلب أيضاً بذل جهود كبرى للتحول من الادخار إلى الإنفاق.

إن هذه القضية تحدد إطار المكون الرئيسي الثالث للأجندة المعززة للاستهلاك في ظل الخطة الجديدة ـ الحاجة إلى بناء شبكة أمان اجتماعي من أجل الحد من الادخار التحوطي الذي يحركه الخوف. وهذا يعني بصورة خاصة الأمان الاجتماعي، وصناديق معاشات التقاعد الخاصة، والتأمين الطبي والوظيفي ـ الخطط الموجودة على الورق ولكنها تعاني من نقص شديد في التمويل.

على سبيل المثال، في عام 2009، بلغ مجموع أصول نظام التقاعد ـ الضمان الاجتماعي الوطني، وخطط التقاعد لدى الحكومات المحلية، ومعاشات التقاعد في القطاع الخاص ـ بلغ نحو 2.4 تريليون رنمينبي فقط (364 مليار دولار أميركي). أي ما يقرب من 470 دولار فقط من فوائد التقاعد للعامل الصيني المتوسط. ولا عجب إذن أن تكون الأسر حريصة على الادخار خوفاً من المستقبل. ويتعين على الخطة الجديدة أن تصحح هذه النقيصة على الفور.

لا شك أن الخطة الخمسية الجديدة لن تقتصر على هذه الركائز الثلاث لسياسة دعم الاستهلاك. فمن الجدير بالملاحظة أيضاً أن الخطة تركز على التنمية العاجلة للعديد من الصناعات الاستراتيجية الناشئة ـ من التكنولوجيا الحيوية والطاقة البديلة إلى المواد الجديدة والجيل المقبل من تكنولوجيا المعلومات.

بيد أن التركيز على المستهلك الصيني من المرجح أن يكون بمثابة السمة المميزة للخطة الجديدة ـ وهو ما يكفي في اعتقادي لتعزيز الاستهلاك الخاص كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي الصيني من مستواه المتدني الحالي الذي بلغ 36% إلى ما يقرب من 42% إلى 45% بحلول عام 2015. ورغم أن هذا المستوى يظل متدنياً بالقياس إلى المستويات الدولية، فإن مثل هذه الزيادة سوف تشكل على الرغم من ذلك خطوة بالغة الأهمية تخطوها الصين على الطريق نحو استرداد التوازن.

وسوف تشكل فضلاً عن ذلك دفعة قوية للشركاء التجاريين الرئيسيين للصين ـ وليس فقط هؤلاء في شرق آسيا، بل وأيضاً بلدان الاتحاد الأوروبي المقيدة النمو والولايات المتحدة. بل إن الخطة الخمسية الجديدة من المرجح أن تسطر أعظم قصص الاستهلاك الناجح في التاريخ المعاصر. ولا يملك عالم ما بعد الأزمة في أيامنا هذه أن يطلب ما هو أكثر من ذلك.

ولكن هناك أمر لافت للانتباه: في التحول إلى دينامكية أكثر اعتماداً على الاستهلاك، فإن الصين سوف تضطر إلى خفض مدخراتها الفائضة وبهذا يصبح المتوفر من هذه المدخرات أقل من أن يسمح لها بتمويل العجز المستمر في مدخرات بلدان مثل الولايات المتحدة. ويبدو أن إمكانية استعادة التوازن العالمي على هذا النحو غير المتكافئ ـ حيث تحمل الصين زمام المبادرة وتأتي بلدان العالم المتقدم متلكئة خلفها ـ قد تشكل النتيجة غير المقصودة الرئيسية للخطة الخمسية الصينية الجديدة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured