Tuesday, September 23, 2014
0

بريطانيا والمداهنة الثقافية

لندن ــ قد يتصور المرء أن البريطانيين، الذين اخترعوا عملياً مبدأ الاسترضاء والمهادنة ودفعوا ثمن ذلك الاختراع باهظا، لابد وأن يتوخوا قدراً أعظم من الحذر. ولكن استرضاء الصين في مقابل مكاسب تجارية لا يبدو وكأنه يُعَد أمراً بغيضاً على المستوى الأخلاقي. فكيف بغير هذا نستطيع أن نتصور إمكانية دعوة ليو بينجيه المسؤول الأول عن الرقابة في الصين والرجل الذي قاد حملة إسكات ليو شياو بو، الحائز على جائزة نوبل والناشط في مجال حقوق الإنسان، لتولي رئاسة وفد يتألف من 21 من الكتاب المجازين رسميا وعشرات المسؤولين الوزاريين إلى لندن للاحتفال بالأدب الصيني في معرض الكتاب في لندن؟

الواقع أن ليو هو ضيف شرف المجلس الثقافي البريطاني في هذا الحدث. ويزعم المجلس أنه وجه الدعوة إلى الكتاب الصينيين المجازين رسمياً لأنه يريد خلق قدر أعظم من الفهم للأدب الصيني وتشجيع التبادل الثقافي بين البلدين. ولكن هل حقاً يستطيع العالم أو ينبغي له أن يتعلم عن الصين فقط من خلال قراءة نصوص مجازة من قِبَل الحزب الشيوعي الصيني؟ ألم ينبئ كتاب مثل بوريس باسترناك، وألكسندر سلوجينستين، وميلان كونديرا، وفاتسلاف هافيل العالم عن المجتمعات القمعية التي عاشوا فيها بأكثر من كل ما خبره به كل ما قدمه الناشرون الرسميون في الكتلة السوفييتية؟

إن عُذر المجلس ما هو إلا ستار، وفي الوقت نفسه مداهنة وتملق للنظام الشمولي الصيني وإهانة لهؤلاء الكتاب الصينيين الذين سجنوا أو حُظِرَت كتاباتهم أو أرغموا على الخروج من بلادهم إلى المنفى فقد لأنهم كتبوا ما أملته عليهم ضمائرهم.

في بيان تحت عنوان "بياني وأنا أرحل عن الصين" يعلن الكاتب يو جي، الذي ترك الصين إلى الولايات المتحدة هرباً من الاضطهاد، يعلن بوضوح أنه أرغم على الفرار من بلده حتى يتمكن من الكتابة بحرية. وكان يو قبل منفاه قد ألقي به ف حجرة مظلمة وخضع للتعذيب، لأن ليو شياو بو فاز بجائزة نوبل في عام 2010. بل وفي اللحظة التي سلمت فيها الجائزة في أوسلو، كان عدد كبير من ضباط الشرطة يتناوبون صفع وجه يو قائلين: "سوف نضربك حتى الموت انتقاماً لكرامة الحكومة".

اليوم، تنتج الصين أدباً منفياً بسرعة أعلى من أي معدل بلغه الاتحاد السوفييتي. وما كانت أي مؤسسة حكومية بريطانيا لتوجه الدعوة إلى الرقيب الأول في الاتحاد السوفييتي كضيف شرف في حدث يحتفل بالأدب الروسي. لماذا إذن هذا الكيل بمكيالين؟

نحن جميعاً نعرف الإجابة: المال. فالمال لدى الصين، وبريطانيا وغيرها من الدول الغربية تريد هذا المال. وهي تريد أن يشتري المستهلكون الصينيون منتجاتها. ويريد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن يغير حقيقة مفادها أن صادرات بريطانيا إلى أيرلندا الدولة الصغيرة الحجم أكثر من صادراتها إلى الصين. ويبدو أن القليل من الاسترضاء الأدبي ثمن ضئيل في مقابل المال.

اليوم يخلف الإرهاب السياسي المتنامي تأثيراً خانقاً على المجتمع الصيني. فقد زُج بأكثر من مائة كاتب إلى السجن لأنهم نشروا مقالات سياسية على شبكة الإنترنت، بل وخضع أفراد أسرهم للمراقبة، أو وضعوا قيد الإقامة الجبرية كما حدث مع زوجة ليو شياو بو.

في العام الماضي نشر الكاتب تشو يو فو قصيدة على شبكة الإنترنت، يقول أحد أبياتها: "لقد حان الوقت يا شعب الصين! إن الميدان ملك للجميع، وأقدامكم ملك لكم، قد حان الوقت لتستخدموا أقدامكم، سيروا إلى الساحة لكي تختاروا بأنفسكم". ولهذا، احتجز بتهمة "التحريض على قلب نظام الدولة"، وفي شهر فبراير/شباط صدر في حقه الحكم بالسجن سب سنوات.

في المجتمعات القمعية، يُعَد الأدب الجيد تخريبيا. كان تشو يحاول بأبسط الكلمات إيقاظ الأمة، وبالنسبة لحكام الصين المستبدين فلا شيء أكثر تخريباً وترويعاً من كلمة "الاختيار".

إن الصين تشحن نحو عشرة آلاف عنوان إلى معرض لندن للكتاب. وقد يبدو هذا "الاختيار" ضخماً للغاية، ولكن أستطيع أن أجزم وأنا مرتاح الضمير أننا لن نجد بين هذه كله هذه الكتب ولو كتاب واحد يستكشف بحيادية محظورات السياسة الصينية وتاريخ الصين الحديث. ففي الصين هناك الآلاف من "الكلمات الحساسة"، بما في ذلك وصف "الرهبان المضحون بالذات"، ومصطلحات مثل "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، واحتجاجات ميدان السلام السماوي"، بل وحتى عنوان كتابي "غيبوبة بكين"، ولا يمكنك حتى أن تبحث عن مثل هذه الكلمات باستخدام محركات البحث على شبكة الإنترنت. وهذه القائمة المتنامية من الكلمات المحرمة والمواضيع المحظورة، التي حددها ليو بينجيه وجيشه الكبير من الرقباء يجوع روح الأمة ويحبس عقول الكتاب في قفص.

ويزعم المجلس الثقافي البريطاني أنه يعرض "التنوع المذهل للأدب الصيني اليوم". ولكن أي مناقشة متنوعة حقيقية لم تكن لتقتصر على الكتاب الأحد والعشرين المجازين من قِبَل الدولة فحسب، بل كان من الواجب أن تضم كتاباً معترف بهم رسمياً على الطرف الأكثر انتقاداً من الطيف، مثل يان ليان كي، الذي رفضت السلطات السماح له بحضور معرض لندن للكتاب هذا العام ثلاث مرات.

وكانت المناقشة المتنوعة لتضم أيضاً كتاباً أخرِسوا تماماً في الصين، مثل وانج لي زيونج، وتان هيتشنج، ومو جيان جانج، ويانج جيشينج.

إن أعمال هؤلاء الكتاب المحظورين عامرة بتفاصيل دقيقة عن الحياة الصينية المعاصرة. وتكمن قوتهم الأدبية في شجاعتهم في طرح أسئلة محرجة والكتابة بأمانة. والواقع أن قرار المجلس الثقافي البريطاني بتجاهلهم، وغيرهم من الكتاب المنفيين الممنوعين من دخول الصين، مثلي أنا شخصيا، كان سبباً في تحويل حدث ثقافي إلى صفقة تجارية سياسية تنتهك كل المبادئ.

إن بريطانيا لم تنتج أدباً عظيماً فحسب، بل إنها تفخر بتقليد تاريخي عريق في دعم حرية التعبير وتوفير الملجأ للكتاب المضطهدين. ولم يتمكن نابليون، ولا القيصر نيقولا الأول، ولا حتى هتلر عندما كان الجميع يحاولون استرضاءه في ثلاثينيات القرن العشرين، من إرغام بريطانيا على التنازل عن التزامها بالحرية الفكرية. ولكن ما يحدث الآن هو أن مهمة إفساد التقليد الإنساني الذي دام قروناً من الزمان تهبط إلى مستوى ذلك الرجل الخسيس كبير رقباء الحزب الشيوعي الصيني ومهندس الهجرة الجماعية للأدب الصيني ــ وفي سبيل الجشع والطمع في ذهب الصين.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured