Saturday, October 25, 2014
0

أميركا تحارب نفسها في آسيا الوسطى

واشنطن، العاصمة ـ في خضم الجهود المحمومة التي بذلتها طيلة عقد من الزمان لتأمين أفغانستان، كانت الولايات المتحدة تستعين بسياسة خارجية متضاربة في أوزباكستان وقيرغيزستان، الدولتين الهشتين في آسيا الوسطى واللتين تضطلعان بدور داعم رئيسي في الحرب. فهناك سياسة إشراك هاتين الدولتين في مرحلة ما بعد العصر السوفييتي لتحقيق مصالحهما الخاصة، من تعزيز الحكم الرشيد إلى دعم حقوق الإنسان إلى توثيق الروابط التجارية ـ أو الحقيبة الدبلوماسية الأميركية المعتادة. ثم هناك تلك السياسة القائمة على استغلال هاتين الدولتين باعتبارهما مركزين للإمدادات اللوجستية في حرب أفغانستان.

ولكن من المؤسف أن أغراض هاتين السياستين كثيراً ما تتقاطعا، الأمر الذي يؤدي إلى تضاؤل نفوذ أميركا في الأمد البعيد في المنطقة، وفي بعض الأحيان إلحاق الضرر بقدرتها على إدارة الحرب. ومع إرسال الولايات المتحدة للمزيد من القوات والأموال إلى أفغانستان، فإن إلحاح العمل العسكري يتفوق من جديد على أهداف أخرى في آسيا الوسطى.

وقد يكون هذا مفهوماً من بعض النواحي: فالولايات المتحدة تشن حرباً محكومة بموعد نهائي مشدد فرضته على نفسها. والآن بات من الضروري تأجيل المشاريع ذات المظهر الأنيق في تعزيز حقوق الإنسان والحكم الرشيد في هذه المنطقة الغامضة المجاورة.

بيد أن هذه الرؤية تخفق في إدراك حقيقة مفادها أن آسيا الوسطى الضعيفة الفاسدة المسيئة لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة أو مصلحة أفغانستان. فباكستان، على سبيل المثال، تُعَد بالنسبة للحكومة الأفغانية جارة منقسمة ويكاد يكون حكمها مستحيلا. والواقع أن النهج الأكثر عقلانية يتلخص في سعي الولايات المتحدة إلى الموازنة بين الضرورات الأمنية الحقيقية في أفغانستان وبين سياسة أكثر شمولاً وصحة في آسيا الوسطى.

ففي قيرغيزستان، الدولة غير الساحلية الجبلية ذات التاريخ الطويل من الاضطرابات المدنية والانقلابات الحكومية السريعة، يشعر الساسة المحليون بالغضب إزاء القرار الذي اتخذته وزارة الدفاع الأميركية مؤخراً بتجديد عقد إمداد الوقود المثير للجدال لقاعدة ماناس الجوية، والتي تشكل مركزاً رئيسياً للعمليات الجوية فوق أفغانستان.

وهذا العقد، الذي مُنِح مرة أخرى لشركة أميركية سرية، من شأنه أن يحافظ على استمرار تحليق الطائرات الأميركية فوق أفغانستان، وهو الهدف الأميركي البارز في المنطقة. ولكن الطبيعة المبهمة لهذه الصفقة قد تؤدي إلى إضعاف موقف أميركا الضعيف بالفعل في قيرغيزستان، حيث تم تصوير العقد كمصدر للفساد الذي أحاط بالحسابات المصرفية لاثنين من الحكام المستبدين على التوالي.

ورغم أن محققين تابعين للكونجرس الأميركي لم يجدوا أي دليل يشير إلى تورط القائمين على إبرام العقود في أي شكل من أشكال الرشوة، فقد اكتشفوا حالات من خيانة الأمانة والإهمال التي تشير ـ على أقل تقدير ـ إلى استعداد حكومة الولايات المتحدة للتغاضي عن الممارسات المريبة. والواقع أن أغلب إمدادات الوقود للقاعدة الجوية كانت تأتي من روسيا، ولقد زعم الموزعون المحليين لمقاولي وزارة الدفاع كذباً أن الوقود كان مخصصاً للاستهلاك المدني المحلي، فاستفادوا بالتالي من رسوم الاستيراد المخفضة. ونظراً لحجم المطلوب من وقود الطائرات، فمن الواضح أن اللاعبين الرئيسيين، بما في ذلك المشترين والبائعين ومسؤولي الولايات المتحدة، كانوا على علم بهذه الخطة، أو كان من الواجب عليهم أن يعلموا بها.

ولكن وزارة الدفاع ترى رغم ذلك أن المقاولين قاموا بالضبط بما كان من المفترض أن يقوموا به: تسليم الوقود بسعر معقول. ولهذا السبب جددت وزارة الدفاع العقد.

ورغم هشاشة الحكم والعنف في قيرغيزستان فإنها الدولة الأكثر ديمقراطية في المنطقة، وقد تكون حليفاً طبيعياً للولايات المتحدة. ولكن بملاحقة سياسة خارجية ضيقة الأفق تركز على وقود الطائرات فحسب، فإن أميركا لم تسد نفسها صنيعا. والواقع أن هذه السياسة كانت سبباً في تشجيع الساسة الموالين لروسيا والذين يودون لو يرون الأميركيين مطرودين من قيرغيزستان.

والواقع أن المساومات حول القاعدة الجوية كانت مكثفة. ففي اجتماع فبراير/شباط سأل سفير الولايات المتحدة إلى قيرغيزستان نظيره الصيني عن تقارير تزعم أن الصين عرضت على قيرغيزستان أن تدفع لها 3 مليار دولار إذا أغلقت القاعدة الأميركية. وكان الدبلوماسيان يتحاوران باللغة الروسية. وطبقاً لبرقية دبلوماسية أميركية سرية حصل عليها موقع ويكيليكس على شبكة الإنترنت، فقد بدأ السفير الصيني يتلعثم بشكل ظاهر حيث فقد قدرته مؤقتاً على مواصلة الحديث باللغة الروسية، ثم راح يهمهم باللغة الصينية إلى مساعده الصامت الذي أخذ في تسجيل الملاحظات. ولقد جرى هذا اللقاء بعد بضعة أشهر فقط من تصدي واشنطن للضغوط التي مارسها الروس على قيرغيزستان لحملها على إغلاق القاعدة. وفي اجتماعهما نصح المبعوث الصيني المخضرم السفير الأميركي بدفع 150 مليون دولار سنوياً لقيرغيزستان في مقابل الإبقاء على القاعدة. وعلى نحو غير معقود على الإطلاق، قفز المساعد الشاب الصامت إلى الحديث قائلاً: "أو ربما يتعين عليكم أن تقدموا لهم 5 مليار دولار لشراء موافقتنا نحن والروس". وفي هذه اللحظة صمت المساعد تماماً وانزوى تحت النظرة المرعبة التي وجهها إليه السفير الصيني.

منذ وقوع الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2011، اكتسبت المؤسسة العسكرية الأميركية ثِقَلاً كبيراً في صياغة السياسة الخارجية الأميركية. وبفضل حربين، وميزانية الدفاع الهائلة، حصلت وزارة الدفاع على المال والنفوذ الكافيين للسماح لها بالقيام بالاضطلاع بأمور يقوم بها الدبلوماسيون عادة. ففي العراق على سبيل المثال كان الضباط الأميركيون الشباب يتجولون وهم يحملون مبالغ كبيرة من المال لشراء ولاء المتمردين المترددين. وبطبيعة الحال لن يتسنى لأي دبلوماسي أن يضاهي مثل هذا النوع من النفوذ.

ولقد حدث أمر مماثل على المستوى الكلي أيضا. إذ يشير تقرير حديث صادر عن مؤسسة المجتمع المفتوح التي يترأسها جورج سوروس ـ يحلل هذا التقرير الإنفاق الدفاعي الأميركي على مدى العقد الماضي في آسيا الوسطى ـ إلى أن الولايات المتحدة في عام 2007 وحده قدمت للمنطقة مساعدات عسكرية بلغت 145 مليون دولار. وهذا المبلغ يعادل ستة أضعاف ما أنفقته حكومة الولايات المتحدة لتعزيز حكم القانون والحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان الأساسية في المنطقة. ويخلص التقرير إلى أن المؤسسة العسكرية الأميركية اكتسبت قدرة مفرطة على التأثير على السياسة الخارجية الأميركية في آسيا الوسطى.

ويتجلى هذا الواقع في أوضح صوره في أوزباكستان، حيث أدارت وزارة الدفاع الأمريكية قاعدة عسكرية حتى عام 2005، عندما ذبح النظام الأوزبكي حشداً من المتظاهرين المسالمين، الأمر الذي وضع الحكومة الأميركية في معضلة: فإما أن تغض الطرف وتستبقي القاعدة وإما أن تتحدث بصراحة فتطرد أوزباكستان القاعدة الأميركية. ورغم أن بعض صقور الإدارة الأميركية دعوا إلى الاكتفاء بتوجيه انتقاد صامت للنظام، فإن الولايات المتحدة لم يكن لديها خيار غير إدانة المذبحة، وبالتالي طرد قاعدتها.

من بين الدروس التي يتعين علينا أن نتعلمها هنا أن السياسة الأمنية المنفصلة عن الشواغل الإنسانية الأخرى لا تصلح كسياسة أمنية على الإطلاق. والقواعد العسكرية التي تتأسس على نزوات أنظمة مائعة زائلة ليس من الممكن أن تشكل أساساً لأمن أميركا.

على مدى العام الماضي، عادت الولايات المتحدة إلى أوزباكستان ـ ليس بجنودها في هذه المرة، بل لخلق طرق إمداد جديدة لإبقاء حرب أفغانستان مستمرة ـ وتنفيذ نفس السياسة العسكرية المعتادة قبل عام 2005. ويقول أنصار الديمقراطية المحليون والغربيون إن مسؤولي الولايات المتحدة في أوزباكستان أبدوا أقل قدر من الاهتمام بمخاوفهم وشواغلهم.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured