Tuesday, September 2, 2014
8

نسبة الثلاثين بالمائة الأخرى في أميركا

نيوهافين ــ إن المستهلك الأميركي الآن مجرد ظل خفيف من عنفوانه الماضي. فقد توسع الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة بنسبة لا تتجاوز 1,5% سنوياً من حيث القيمة الحقيقية (المعدلة حسب التضخم) في الربع الثاني من عام 2012 ــ ولم يكن في هذا أي انحراف عن المعتاد مؤخرا. ومن المؤسف أن يستمر الاستهلاك على نمط من الضعف كان واضحاً منذ مطلع عام 2008.

وعلى مدى الأرباع الثمانية عشر الأخيرة، لم يتجاوز متوسط النمو السنوي في الطلب الاستهلاكي الحقيقي 0,7%، مقارنة بنحو 3,6% على مدى العقد السابق لاندلاع الأزمة. ولم يسبق من قبل قط أن كان المستهلك الأميركي بهذا الضعف لهذه الفترة الطويلة.

والسبب ليس سرا. فقد راهن المستهلكون بكل ثِقَلهم على فقاعتين ــ الإسكان والائتمان. فعملت السياسات النقدية والتنظيمية المتهورة على تحويل المسكن المتواضع إلى ماكينة صرف آلي، الأمر الذي سمح للأسر باستخراج الدولارات من الفقاعات والحياة بما يتجاوز مقدراتها الحقيقية.

ولقد انفجرت الفقاعتان منذ فترة طويلة، والآن تتعامل الأسر الأميركية مع خراب ما بعد الفقاعة المالية ــ أو على وجه التحديد الأصول التي أصبحت قيمتها أقل من الأقساط المتبقية عليها، والديون المرتفعة إلى مستويات غير مسبوقة، والنقص الهائل ف المدخرات. ومن ناحية أخرى اجتمعت معدلات البطالة التي سجلت ارتفاعاً حاداً مع النمو الأدنى من المتوسط في الدخول لتشديد الخناق على المستهلكين المنهكين.

ونتيجة لهذا، خفضت الأسر الأميركية إنفاقها إلى مستويات لم يسبق لها مثيل. إذ يعمل المستهلكون على تحويل الدخل القليل الذي يحصلون عليه بعيداً عن الإنفاق ونحو سداد الديون وإعادة بناء المدخرات. وهذا سلوك منطقي وعقلاني ــ وبالتالي فهو ليس بالأمر الذي قد يتمكن بنك الاحتياطي الفيدرالي من التعويض عنه من خلال التيسير النقدي غير التقليدي.

كان المستوى غير المسبوق الذي أبداه المستهلك الأميركي من التقشف سبباً في قلب حسابات نمو الاقتصاد الأميركي رأساً على عقب. فالاستهلاك يمثل عادة 70% من الناتج المحلي الإجمالي (71% في الربع الثاني على وجه التحديد). ولكن هذه النسبة لا تنمو إلا بالكاد، ومن غير المرجح أن تتوسع بقوة في أي وقت في المستقبل المنظور. وهذا من شأنه أن يفرض عبئاً هائلاً على الثلاثين بالمائة الأخرى من الاقتصاد الأميركي في محاولة توليد أي شكل من أشكال التعافي.

والواقع أن الثلاثين بالمائة الأخرى لم يكن أداؤها سيئا، وبخاصة عندما نضع في الاعتبار الرياح المعاكسة الشديدة القادمة من جانب السبعين بالمائة التي يمثلها المستهلكون. وتتألف نسبة الثلاثين بالمائة في الأساس من أربعة عناصر ــ الإنفاق الرأسمالي من جانب الشركات، والصادرات الصافية (الصادرات ناقص الواردات)، والبناء السكني، والمشتريات الحكومية. (من الناحية الفنية، لابد من إضافة وتيرة الاستثمار في المخزون، ولكن هذا يشكل عازلاً دورياً بين الإنتاج والمبيعات وليس مصدراً للطلب النهائي).

ونظراً لاتجاه النمو الحقيقي في الاستهلاك الذي لم يتجاوز 0,7% على مدى السنوات الأربع ونصف السنة الماضية، فإن التعافي السنوي الهزيل للاقتصاد الأميركي (2,2%) في أعقاب الركود العظيم يكاد يشبه المعجزة. وبوسعنا أن نعزو هذا في الأساس إلى الثلاثين بالمائة الأخرى، وبخاصة للصادرات القوية وانتعاش الإنفاق الرأسمالي التجاري.

وعلى النقيض من هذا، كان القطاع الحكومي يتحرك في الاتجاه المعاكس، مع اتجاه الولايات والحكومات المحلية إلى التقشف وبلغ المشتريات الفيدرالية ذروتها بعد انفجار العجز في مرحلة ما بعد الأزمة. ولقد بدأ قطاع الإسكان يتعافي على مدى الأرباع الخمسة الماضية، ولكن هذا التعافي كان بعد بلوغه مستوى متدنياً للغاية، حتى أن نموه لم يؤثر كثيراً على الاقتصاد الكلي.

ونظراً للاحتمال القوي بأن يظل المستهلكين على ضعفهم لسنوات قادمة، فإن أجندة النمو الأميركية لابد أن تركز على الحصول على المزيد من نسبة الثلاثين بالمائة الأخرى. ومن بين عناصر النمو الأربعة التي تندرج تحت هذه الفئة، هناك اثنان يتمتعان بقدرة أعظم على إحداث التغيير ــ الإنفاق الرأسمالي والصادرات.

إن آفاق هذين المصدرين من مصادر النمو لن تؤثر على قوة أو ضعف أي انتعاش فحسب؛ بل إنها قد تكون حاسمة في إحداث تحول مهم في نموذج النمو الأميركي. وهذا الانقسام إلى 70/30 يسلط الضوء على حجم التحدي: إذ يتعين على الولايات المتحدة أن تتصدى لعملية إعادة التوازن الأساسية ــ فطام نفسها عن الاعتماد المفرط على الطلب الداخلي واستمداد قدر أعظم من الدعم من الطلب الخارجي.

ويحمل الإنفاق الرأسمالي والصادرات، اللذين يمثلان معاً نحو 24% من الناتج المحلي الإجمالي، المفتاح إلى تحقيق هذا التحول. فبنسبة تزيد قليلاً على 10% من الناتج المحلي الإجمالي، تكون حصة الإنفاق الرأسمالي أدنى كثيراً من الذروة التي بلغتها في عام 2000 (13%). ولكن الإنفاق الرأسمالي لابد أن يتجاوز هذه الذروة إذا كان للشركات الأميركية أن تتمتع بالقدرات الحديثة، والتكنولوجيا، والبنية الأساسية للقطاع الخاص التي من شأنها أن تمكن الشركات من استعادة حصتها في السوق في الداخل والخارج. وآنذاك فقط يصبح نمو الصادرات، الذي كان مبهراً منذ منتصف عام 2009، قادراً على تعزيز زيادات أخرى. وآنذاك فقط يصبح بوسع الولايات المتحدة أن توقف المد المتصاعد لواردات المنتجين الأجانب.

وتشكل الثلاثين بالمائة الأخرى أيضاً رمزاً لقضية استراتيجية أشد عمقاً تواجهها أميركا ــ التحدي العميق المتعلق بالقدرة التنافسية. والتحول إلى الطلب الخارجي ليس بالأمر الهين، بل لابد أن يُكتَسَب بالعمل الشاق، والعزم الأكيد، وإحياء القدرة التنافسية الذي طال انتظاره.

وعلى هذه الجبهة أيضا، كانت أميركا متخلفة عن الركب. فوفقاً لمؤشر القدرة التنافسية العالمية التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، تراجعت الولايات المتحدة إلى المرتبة الخامسة أثناء الفترة 2011-2012، بعد أن كانت في المركز الرابع في العام السابق، لتستمر بهذا على الاتجاه الهابط عموماً منذ عام 2005.

وبوسعنا أن نعزو هذا التآكل إلى عدة عوامل، بما في ذلك أوجه القصور التي تعيب التعليم الابتدائي والثانوي، فضلاً عن سوء إدارة الاقتصاد الكلي. ولكن الولايات المتحدة تأتي أيضاً في مراتب متدنية فيما يتصل بجودة البنية الأساسية (المرتبة 24)، وإتاحة التكنولوجيا ومدى استيعابها (المرتبة 18)، ومدى تطور واتساع عمليات إنتاج سلاسل التوريد (المرتبة 14).

إن التحسن على كافة هذه الجبهات يشكل أهمية بالغة لإحياء قدرة أميركا على المنافسة. ولكن تلبية التحدي سوف تتطلب نمواً قوياً من جانب الثلاثين بالمائة الأخرى في أميركا ــ وبخاصة الإنفاق الرأسمالي الخاص. وفي ظل احتمالات بقاء المستهلك الأميركي على سكونه، فإن نفس نسبة الثلاثين بالمائة لابد أيضاً أن تستمر في تحمل عبء التعافي الاقتصادي البطيء.

ولكن من غير الممكن أن يحدث أي من هذا في فراغ. فالاستثمار مطلوب لإحياء القدرة التنافسية، ومن غير الممكن تمويل التعافي المستدام من دون التحسن المطلوب الذي طال انتظاره في المدخرات الأميركية. وفي عصر يتسم بالعجز الحكومي الهائل والمدخرات الأسرية الأدنى من المتوسط، فإن هذا قد يكون التحدي الأصعب الذي يواجه أميركا على الإطلاق.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (8)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedTom Hagan

    Yet another incorrect analysis. To begin with, the housing and credit bubble did not "cause" the financial collapse.The financial collapse would have happened anyway, but sooner. The effect of the bubble was just to keep the music playing longer.

    The real cause of the collapse was that banks ran out of borrowers. Had they stopped lending when they first could not find borrowers who would pay them back, the collapse would have occurred then. Instead, they began lending money they knew was never going to be paid back, liar loans, and when these inevitably failed, the bubble they induced collapsed.

    But the bubble did not CAUSE the financial collapse, it simply delayed it.

    Neither Romney nor Obama has a fix for what ails us: insufficient demand caused by excessive inequality.

    The only thing that will fix the economy is a massive redistribution of wealth to restore demand, and then a permanent redistribution of income to prevent ever-growing inequality leading to eventual collapse, as now.

    Both Romney and Obama would lead us into the abyss, Romney a bit faster. With the program proposed by either, we are doomed.

  2. CommentedJohn A Werneken

    Vote for Romney then.

    "None of this can occur in a vacuum. The investment required for competitive revival and sustained recovery cannot be funded without a long-overdue improvement in US saving. In an era of outsize government deficits and subpar household saving, that may be America’s toughest challenge of all."

    Enough said; no progress possible with the Yuppie-Union-Ethnic wing of the Democratic Party in charge.

  3. CommentedF. W. Croft

    This article's right on the money. I'd note that, in addition to building exports, we need to work harder at attracting inbound investment. Beyond visa programs, we should probably consider something along the lines of the Special Administrative Regions that have worked in the PRC: areas such as Hong Kong or Shenzhen, where tax breaks and simplified regulation are used to attract capital and stimulate new business production. Paul Romer has suggested that a related approach be used in the US...

      CommentedPaulo Sérgio

      Can Right-to-work states be considered Special Administrative Regions against the mostly unionized northern states and California? It may then just require a concerted effort to position these states more favorably..

  4. CommentedProcyon Mukherjee

    Prof. Roach is absolutely right about the shift in focus to the other 30% as consumption is most likely to stall not only for the reasons sited but also for the demographic shift as the baby boomers approach retirement when savings more than consumption would be the natural fall out.

    But the problem with growth in capital spending is better observed in the slowdown of the same in S&P 500 in Q2 (5.6%) against 8.6% last year, as forward orders in capital equipment is showing a grim picture, which impacts the forward earnings and we see manifestations of this in the guidance statements. This normally moves to cost cutting responses for a majority, not the ideal for restoring the economy to the trajectory of growth.

    Procyon Mukherjee

      CommentedDavid Cearley

      I'm not sure consumption will fall much as boomers age. Take a look at the data from a report on boomer consumption;
      http://www.mediapost.com/publications/article/181070/baby-boomers-control-70-of-the-us-disposable-in.html

      Consumers ages 47 – 66 (Baby Boomers) Facts:

      Control 70% of US disposable income
      Dominate 119 out of 123 CPG categories
      40% of customers paying for wireless service
      41% own Apple computers
      53% are on Facebook
      40% most likely to use an iPhone
      Over age 50 spend $7 billion online annually
      Purchase 62.5% of new cars
      Purchase 80% of luxury travel
      70% show up to vote in elections
      Boomers spend more money each month on technology than Gen X or Gen Y – an average of $650 per month
      Spend most on health care
      Spend most on pharmaceuticals
      One in 7 boomers care for a parent or family member
      71% of Boomers go online every day
      66% of Boomers send text messages


      Read more: http://www.mediapost.com/publications/article/181070/baby-boomers-control-70-of-the-us-disposable-in.html#ixzz249CFbuRS

  5. CommentedZsolt Hermann

    Although the facts are all around us, even within this very article we still do not want to see it.
    The main problem is the excessive consumerism, an economic model that is based on constant quantitative growth, overproduction and over consumption of products we do not have a natural desire or need for, but a sophisticated marketing machinery and the subsequent social pressure forces us to keep buying them. As a result we all delved into deeper and deeper debt, we are unhappy and increasingly empty as we stuff ourselves with thing we do not need and we have no time to deal with things, health, family, proper education, real human connections, we should be dealing with and which things could make us truly happy.
    We still stubbornly, desperately try to rescue this fading and collapsing system instead of being happy that we are liberated from this unnatural and artificial consumer system, and that we got a chance again to return to a happy, normal, natural human life in the 21st century.
    If we lived within, and adapted to the natural laws governing our vast natural, integral system this planet still has enough bounty to supply double the present human population.
    Only we need to change our attitude and lifestyle.

      CommentedMelanie holzman

      Give it a rest, Mr. Hermann.

      You have made the same comment over and over. I, for one, do not want a philosophy of what YOU think is absolutely necessary forced on me.

      CommentedLinda Narbonne

      True. We must adopt new values and lifestlye, clarify the meaning of our life; a mutual paradigm and attitude as humans living together as one united entity in mutual care.

      The crisis is our opportunity to make that shift.

      "People only accept change when they are faced with necessity, and only recognize necessity when a crisis is upon them." — Jean Monnet

  6. CommentedJim Nail

    A clear summary, but there is one little word that gets insufficient attention in it: the word 'net.' Roach emphasizes exports as a growth engine, forgetting that the word in the economics books is 'net exports.' A difference with huge policy implications. Trade controls or other measures restricting imports from China, until something happens with their currency, would be just as effective in raising net exports as as, say, extra sales of high-tech weaponry to Saudi Arabia...

  7. Commentedjracforr jracforr

    Maybe we can combine two of America's problems and arrive at a solution to this problem. Firstly many companies are said to have stashed billions in off shore tax shelter to avoid the IRS and secondly infrastructure cost and import / export tariff undermine industrial competitiveness . Many foreign nations create FREE ZONES where taxes and tariff and other hindrance to competitive industrial production are eliminated. The only stipulation is that the goods produced in these zones are for export only. This concept could be used in in the USA equally well in Southern Florida , Texas, California etc. The TAX FREE INCENTIVE that these free zones offer, should attract capital held in off shore tax haven as well as solve the " profound competitive challenge " that America suffers.

  8. CommentedRichard Foosion

    >>That is both logical and rational – and thus not something that the US Federal Reserve can offset with unconventional monetary easing.>>

    The conclusion does not at all follow from the premise. For example, if the Fed could induce higher spending, consumers would have more income and more to money to use to pay down debt (on a macro level, spending equals income). Merely increasing inflation to target or higher would reduce the real burden of debt

Featured