بكين ـ تُرى بأي سرعة تتجه الصين نحو الشيخوخة السكانية، وماذا يعني انخفاض نسبة السكان في سن العمل بالنسبة للتنمية الاقتصادية في الصين؟ وهل من الممكن ـ أو هل ينبغي ـ أن يُبذَل أي جهد، وخاصة فيما يتصل بسياسة "الطفل الواحد"، لإبطاء هذا الاتجاه؟
في أيامنا هذه، تستند أغلب التكهنات السكانية بالنسبة للصين على معدل الخصوبة الإجمالي للبلاد، والذي يبلغ 1.8 طفل لكل أنثى ـ والذي لم يتغير طيلة عشرين عاما. ولكن بيانات المسح السكاني التي نشرها المكتب الوطني للإحصاء تشير إلى أن معدل الخصوبة الإجمالي كان أقل من 1.5 لسنوات عديدة، ويقدم تقرير الأمم المتحدة الصادر حديثاً تحت عنوان "أنماط الخصوبة في العالم في 2009 تعديلاً لمعدل الخصوبة الإجمالي في الصين ليصبح 1.4 في 2006، الأمر الذي يضع الصين بين البلدان ذات الخصوبة المنخفضة.
إن هذه الفترة الطويلة من الخصوبة المنخفضة تعني أن الصين تتجه نحو الشيخوخة السكانية وأن نمو الشريحة السكانية من السكان في سن العمل آخذ في التباطؤ. ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة فإن شريحة السكان في سن العمل سوف تتوقف عن تماماً في عام 2015، في حين سوف ترتفع نسبة السكان الذي بلغوا 65 عاماً أو تجاوزوا ذلك السن إلى 9.6% (130 مليون نسمة)، وهو ارتفاع حاد إذا علمنا أن تلك النسبة كانت 6.8% في عام 2000.
رسم بياني: السكان في سن العمل وفي سن 65 عاماً فأكثر في الصين من 1950 إلى 2050
منذ بدأت فترة الإصلاح في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، كانت مجموعة ضخمة من السكان في سن العمل تعمل على ضمان مدد كاف من الأيدي العاملة ومعدل ادخار مرتفع. ولقد ساهم انحدار نسبة السكان المعالين (الأطفال وكبار السن) إلى السكان في سن العمل (بين 16 سنة و64 سنة) بنحو 26.8% من نمو نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي أثناء الفترة 1982-2000. ولكن وفقاً لتقديرات متحفظة فإن نسبة الإعالة سوف تتوقف عن الهبوط بحلول عام 2013، ثم تبدأ في الارتفاع بعد ذلك.
إن شيخوخة السكان تُعَد قانوناً عالمياً للتنمية الاقتصادي وما يصاحبها من تحولات اجتماعية. ولكن الصين فريدة من نوعها، لأنها بلغت مرحلة متأخرة من التحول الديموغرافي في مرحلة مبكرة نسبياً من التنمية الاقتصادية. ففي عام 2010 كان 8.3% من سكان الصين في سن 65 عاماً أو أكثر، مقارنة بنحو 7.5% على مستوى العالم، في حين كان يعادل نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في الصين 47.7% من المتوسط العالمي. وقريباً سوف تشهد كوريا الجنوبية وتايلاند ارتفاعاً في نسبة الإعالة أيضا، ولكن نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في هذين البلدين أعلى من نظيره في الصين ـ ثلاثة أضعاف في حالة كوريا الجنوبية.
ورغم أن التغير الديموغرافي الهائل في الصين سوف يتسبب في إضعاف ميزتها النسبية في مجال الصناعات الكثيفة العمالة، فإنها لم تكتسب مستوى تعويضياً من القدرة التنافسية في الصناعات الكثيفة التكنولوجيا ورأس المال. ونتيجة لهذا فإن الصين تواجه خطر الوقوع في فخ "الدخل المتوسط"، الذي منع العديد من الدول الأخرى من اكتساب وضع الدولة المتقدمة.
ولكن السياسات السليمة قادرة على مساعدة الصين في تجنب مثل هذا الفخ. ففي ظل افتراض ندرة الأيدي العاملة وتضاؤل العائدات على رأس المال، يصبح دعم النمو الاقتصادي في حكم المستحيل ما لم تطرأ زيادة كبيرة على إنتاجية العامل الإجمالي. ومن الضروري إذن أن تتحول الصين من النمو القائم على المدخلات إلى نمط من النمو قائم على الإنتاجية.
كان ضعف نمو إنتاجية العامل الإجمالي في اليابان سبباً في "العقد الضائع" بعد اختفاء الميزة الديموغرافية للبلاد في أوائل التسعينيات؛ وينبغي للصين أن تردم بعد الفجوات الضخمة إذا كان لها أن تتجنب مصيراً مماثلا. فيتعين عليها أن تحسن رأسمالها البشري، وأن تزيل الحواجز المؤسسية التي تعوق حركة العمالة، وأن تعيد توجيه هدف الحكومة من تعزيز وإدارة التنمية على خلق وصيانة البيئة التنافسية.
ومع تضاؤل ميزة العمالة الرخيصة النسبية في الصين، وعدم الكشف بعد عن ميزتها النسبية الجديدة، فإن الاستهلاك المحلي يشكل المفتاح إلى دعم النمو الاقتصادي. ورغم أن نقص العمالة ساعد في دفع أجور العمال العاديين إلى الارتفاع، فإن التوزيع غير العادل للدخل حالياً لا يمكن تغييره تلقائيا. وسوف يتطلب الأمر مجموعة من السياسات العامة لتحسين توزيع الدخل في الصين ـ وبالتالي تحفيز الاستهلاك الأسري.
على هذا، ومع إحكام القيود على توريد العمالة، فإن تحديد الأجور لابد وأن يستند ليس فقط إلى العلاقة بين المعروض من الأيدي العاملة والطلب عليها، بل وأيضاً على مؤسسات سوق العمل. على سبيل المثال، لا تعمل المساومة الجماعية على موازنة توزيع مكاسب الإنتاجية بين العاملين وأصحاب العمل فحسب، بل إنها تعمل أيضاً كمنبر مؤسسية لحل النزاعات العمالية.
ولا بد فضلاً عن ذلك من توسيع نطاق الحماية الاجتماعية لكي تشمل العمال المهاجرين، الذين كانت نسبة مشاركتهم في التأمين الطبي الأساسي 13.1% في عام 2009، في حين كان برنامج معاشات التقاعد التابعة للدولة تغطي 9.8% منهم، وكان 3.7% منهم فقط يتمتعون بالتأمين ضد البطالة. وهذا يتطلب إزالة السبب المؤسسي الرئيسي: نظام تسجيل الأسر الصينية (هوكو) الذي يمنع المهاجرين من غير الحاصلين على تصاريح إقامة في المناطق الحضرية من الحصول على المنافع العامة.
وأخيرا، لابد من تعديل سياسة تنظيم الأسرة الحالية في الصين بما يتفق مع الوضع الديموغرافي الجديد. ورغم أن التطورات الاجتماعية والاقتصادية تشكل القوى الدافعة الرئيسية التي تحرك التحول الديموغرافي السريع في الصين، ورغم أن الشيخوخة السكانية اتجاه لا رجعة فيه، فلا يزال هناك مجال لتعديل السياسات من أجل موازنة البنية السكانية في المستقبل. وتشير دراسات المسح للأسر الصينية إلى أن عدد الأطفال المعتزم إنجابهم حالياً في الصين هو 1.7 في المتوسط، في حين تسمح السياسة الرسمية بما لا يزيد على 1.5. وهذا الفارق من شأنه أن يخلق الفرصة لاستغلال إمكانية زيادة معدلات إنجاب الأطفال في المستقبل القريب.
فضلاً عن ذلك فإن سياسة "الطفل الواحد" في الصين حققت بالفعل الهدف الأولي منها. ففي الثمانينيات أكدت الزعامات الصينية رسمياً عندما أعلنت عن هذه السياسة: "في غضون ثلاثين عاما، ومع زوال المشكلة الحالية البالغة الخطورة المتمثلة في النمو السكاني، سوف نتحرى سياسة سكانية بديلة". والواقع أن هذا الشرط قد تحقق بالفعل، الأمر الذي يضفي الشرعية على انتهاج سياسة بديلة اليوم.
وتشير التجارب المحلية في تعديل سياسة الطفل الواحد إلى طريق الإصلاح. والواقع أن الغالبية العظمى من المناطق الصينية تسمح حالياً للأزواج بإنجاب طفل ثان إذا كان كل من الزوج والزوجة طفلاً وحيدا. ومن خلال المزيد من تخفيف هذه السياسة بالسماح بإنجاب طفل ثان إذا كان أي من الوالدين طفلاً وحيدا، فإن هذا من شأنه أن يجعل إدارة التحديات الديموغرافية التي تلوح في أفق الصين أسهل كثيراً مما قد يبدو الأمر الآن.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.