4

أوروبا بعد أوكرانيا

باريس ــ عندما تندلع أزمات غير متوقعة، يميل الناس عادة إلى افتراض مفاده أن الأمور لن تعود إلى سابق عهدها أبدا ــ وهو على وجه التحديد الاستنتاج الذي توصل إليه العديد من الأوروبيين في أعقاب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم. ولكن هل هم على حق في استنتاجهم هذا؟

برغم أن زعماء أوروبا أدانوا تصرفات روسيا في أوكرانيا بالإجماع تقريبا، فإن تقييمات التهديد الأمني الذي تفرضه روسيا تتفاوت وتتباين على نطاق واسع. فتُعَد بولندا ودول البلطيق من بين البلدان الأكثر انزعاجاً إزاء سلوك روسيا، في حين تظل جمهورية التشيك وسلوفاكيا والمجر وبلغاريا حذرة بشأن تبني نهج المواجهة ــ وهو الموقف الذي تشترك معها في انتهاجه بلدان مثل أسبانيا والبرتغال، والتي لا تعتمد على إمدادات الطاقة الروسية.

ومن الممكن تفسير هذه المواقف المتباينة بالنظر في الاختلافات الشاسعة التي تميز تاريخ البلدان الأوروبية ورؤاها الاستراتيجية. فقد غزت كل من بولندا وروسيا الأخرى واحتلت أراضيها لقرون من الزمان. وكانت استونيا ولاتفيا وليتوانيا جمهوريات سوفييتية سابقة، وكانت معارضة روسيا بالنسبة لها سمة أساسية من سمات عملية إعادة البناء. ومع وجود أقليات كبيرة ناطقة باللغة الروسية في استونيا ولاتفيا، فإن المبرر الذي ساقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لضم شبه جزيرة القرم ــ الحاجة إلى الدفاع عن ذوي القربى العرقيين الذين يفترض أنهم مهددون ــ يحرك بشكل مباشر أشد تخوفات هذه البلدان عمقا.

بطبيعة الحال، يحمل التشيك والسلوفاك والمجريون ــ كل بلدان الكتلة السوفييتية التابعة السابقة ــ ذكريات مريرة عن روسيا. ولكن استجابتهم لتاريخهم العصيب كانت تتلخص في الابتعاد عن الأنظار وتجنب اتخاذ مواقف بشأن القضايا الدولية الرئيسية. فبسبب قربها من (إن لم يكن تعرضها للخطر بسبب قربها هذا) من دول مجاورة قوية، استبطنت هذه البلدان تهميشها سياسياً واستراتيجيا.