3

تأملات سجينة: عن نيلسون مانديلا

خاركوف ــ يُقال إن السجن يبث في نفس السجين شعوراً بالعجز والضعف. ولكن الحقيقة الثابتة في الحياة بالنسبة لسجين سياسي، حتى ولو كان مضرباً عن الطعام، هي عكس ذلك تماما. فبوصفي سجينة، اضطررت اضطراراً إلى التركيز على ما هو أساسي نحو نفسي ومعتقداتي السياسية وبلدي. لذا فأنا أكاد أستشعر حضرة النساء الجسورات والرجال الشجعان، الكبار والصِغار، الذين احتشدوا في كييف وغيرها من المدن الأوكرانية للدفاع عن أحلامهم في مستقبل ديمقراطي أوروبي. ففي السجن، تصبح آمالك وأحلامك هي واقعك الخاص.

وأنا على يقين من أن نيلسون مانديلا كان ليفهم مشاعري ويوافقني عليها. فربما أبعده نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لمدة تقرب من الثلاثة عقود، ولكن في احتجاجات سويتو الكبرى والمظاهرات الأخرى التي طالبت بالحرية والمساواة، كان شباب جنوب أفريقيا الشجعان يتطلعون دوماً إلى مثاله ويستشعرون وجوده.

وفي مختلف أنحاء العالم، يحتفل أغلب الناس الآن عن حق بالمهابة النبيلة الرقيقة التي قاد بها مانديلا جنوب أفريقيا إلى المخرج من التيه السياسي. وحتى هنا، خلف قضبان السجن وتحت المراقبة المتواصلة من ذلك النوع الذي جربه لفترة طويلة، أستطيع أن أستحضر دفء ابتسامته العريضة وعينيه المرحتين، وتلك القمصان الملونة على طريقة هاواي التي كان يرتديها بقدر عظيم من الثقة في النفس.

ولا يسعني إلا أن أعرب عن إعجابي بالتزامه العنيد ــ والمراوغ أحيانا ــ بعملية المصالحة التي أنقذت بلاده من الحرب العرقية التي رأي أولئك الذين رفضوا قبول نهاية حكم الأقلية البيضاء أنها حتمية. ولكن كم كانوا مخطئين، وكم كان الإنجاز الذي حققه مانديلا معجزاً في جعل حتى أشد أعدائه عنداً وتصلباً يشعرون بارتياح في مرحلة ما بعد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.