5

اليابان ضد المضاربين على العملة

طوكيو ــ في حين يناضل اقتصاد اليابان في محاولة للإفلات من سباته الانكماشي، تخضع خطة الإنعاش الاقتصادي التي أطلقها رئيس الوزراء شينزو آبي في عام 2012 لقدر متزايد من التدقيق. ولكن العذابات التي تعيشها اليابان حاليا، والتي جلبت انخفاضا مصاحبا في سوق الأسهم اليابانية، تنبع من ارتفاع قيمة الين ــ بنسبة 24% على مدى العام الماضي ــ في مقابل العملات الرئيسية. والحق أن "اقتصاد آبي" ــ الذي شمل قدرا كبيرا من التوسع النقدي والمالي ــ لا علاقة له بآلام اليابان الحالية.

منذ تقديم اقتصاد آبي، تحسنت سوق العمل في اليابان بشكل كبير: مع إنشاء مليون ونصف المليون وظيفة جديدة، وانخفاض معدل البطالة إلى ما يزيد قليلا على 3%. وعلاوة على ذلك، ارتفعت أرباح الشركات إلى عنان السماء، وازدادت حصيلة الضرائب بأكثر من 20 تريليون ين (188 مليار دولار أميركي).

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وللبناء على هذه المكاسب، وَعَدَت اليابان بتوسع مالي كبير في الشهر المقبل، والذي يصفه بعض المراقبين بأنه نسخة مجزأة مؤقتة من ما يسمى "إسقاط الأموال بالهليوكوبتر" (التسييل الدائم لديون الحكومة). ولكن هناك تخوف من أن يكون هذا غير كاف، إذا استمرت قيمة الين في الارتفاع.

من المؤكد أن السياسات التوسعية، وبخاصة السياسات النقدية ــ أحد أعمدة اقتصاد آبي ــ من الممكن أن تساهم في خفض قيمة العملة. ولكن النهج المتساهل الذي يسلكه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في التعامل مع برنامجه الخاص للتيسير الكمي، جنبا إلى جنب مع السياسات التوسعية التي تنتهجها اقتصادات رئيسية أخرى، كان سببا في إضعاف تأثير هذه السياسات التوسعية على سعر الصرف.

في وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، كان تصويت المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي، جنبا إلى جنب مع تطبيق أسعار الفائدة السلبية من قِبَل العديد من البنوك المركزية، بما في ذلك بنك اليابان، بمثابة الصدمة للأسواق. واستغل القائمون على صناديق التحوط وغيرهم من المضاربين هذه الحالة العصبية المتوترة، فراهنوا على نحو متزايد على ارتفاع قيمة الين؛ والواقع أن بورصة شيكاغو التجارية تُبدي اهتماما كبيرا بسوق الين الآجلة.

في نظام مرن لأسعار الصرف، تدير كل دولة سياساتها النقدية بشكل مستقل، استنادا إلى أهداف محلية، وتتقبل سعر الصرف الناتج عن ذلك. ولكن عندما تصبح تحركات سعر الصرف حادة أو متذبذبة، تصبح السلطات النقدية قادرة على استخدام سلطتها ــ أو ملزمة باستخدامها ــ للتدخل وتخفيف هذه التحركات.

ويبدو أن السلطات اليابانية تدرك هذا، من الناحية النظرية. ففي الثامن عشر من أغسطس/آب، اجتمع مسؤولون من وزارة المالية، وهيئة الخدمات المالية، وبنك اليابان لمناقشة ما يمكن عمله لوقف ارتفاع قيمة الين. وبعد الاجتماع، أعلن ماساتسوجو أساكاوا، نائب وزير المالية للشؤون الدولية أن وزارة المالية سوف تتخذ تدابير سريعة ضد تحركات سعر الصرف التي تعتبرها ناجمة عن مضاربة.

وكان المفترض أن يجعل هذا الإعلان المضاربين يرتجفون رعبا. غير أن الأسواق لم تتحرك إلا بشكل طفيف، في نطاق 2 ين في مقابل الدولار. فقد أطلقت وزارة المالية مثل هذه التهديدات من قبل على أية حال ــ على سبيل المثال، بعد تطبيق بنك اليابان لسياسة أسعار الفائدة السلبية مباشرة، ومرة أخرى بعد قرار الخروج البريطاني ــ ولكنها لم تنفذ تهديداتها إلى النهاية قَط.

ومثلها كمثل الصبي الذي صَرَخ "الذئب"، فَقَدَت وزارة المالية مصداقيتها، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالتهديد بالتدخل في أسواق العملة. ولهذا، ظل المضاربون على اقتناع بأنهم يدخلون في رهان ذي اتجاه واحد ــ فإما أن يحققوا فوزا كبيرا أو يتعادلوا ــ واستمرو�� في دفع الين إلى الارتفاع.

عند هذه المرحلة، لن تكون كلمات التهديد التي تطلقها وزارة المالية كافية لردع المضاربين. ولكن وزارة المالية تظل مترددة في دعم حديثها الخشن بإجراءات ملموسة، وخاصة بسبب الرفض الأميركي للتلاعب المفترض بالعملة. وبكل قوة، يحاول مسؤولون رفيعو المستوى في وزارة الخزانة الأميركية وبنك الاحتياطي الفيدرالي تثبيط الدعوة إلى التدخل المباشر (أنا من الداعين إلى التدخل المباشر). وكانت ردة فعل باحث أميركي غاضبة لمجرد تلفظي بالكلمة، وكأنها فُحش. ومن جانبهم، يؤكد المسؤولون الأميركيون أنه إذا كان في الإمكان اتهام اليابان بالتلاعب بأسواق العملة، فإن الكونجرس الأميركي لن يوافق على اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ.

من المحتمل أن تختار وزارة المالية اليابانية الإبقاء على الولايات المتحدة في صفها، فتستمر في بذل تهديداتها الفارغة للمضاربين. أو قد تتردد ببساطة حتى فوات الأوان لاتخاذ إجراءات حقيقية. وكل من هذين النهجين ربما يُفضي إلى نفس النتيجة الكارثية: السماح للين بالارتفاع إلى مستويات ضارة وإفشال خطط اقتصاد آبي.

ينبغي لوزارة المالية اليابانية أن تتدخل بشجاعة في أسواق العملة لوقف ارتفاع قيمة الين. وسوف يتعلم المضاربون درسا قاسيا، ويتمكن اقتصاد اليابان من العودة إلى مساره الصحيح. ورغم أن اليابان ربما تصبح كبش فداء لفشل اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، فيبدو من غير المرجح أن يتم التصديق على الاتفاق على أية حال، وذلك نظرا للمناخ السياسي الحالي في الولايات المتحدة. والبديل هو أن يشتري بنك اليابان أوراقا مالية أجنبية.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

يزعم عدد كبير من القائمين على صناديق التحوط، جنبا إلى جنب مع بعض الاقتصاديين، أن السبيل إلى إنقاذ اقتصاد اليابان من الانكماش هو إسقاط الأموال من الهليوكوبتر بشكل مباشر، مع تسليم النقود المطبوعة حديثا للمستهلكين مباشرة. بيد أن نفس أولئك الأشخاص يعرقلون سياسات الاقتصاد الكلي الفعّالة، بالمراهنة على ارتفاع قيمة الين. ولا ينبغي حتى مجرد طرح مثل هذه السياسة النقدية الجريئة ــ والمحفوفة بالمخاطر إلى حد كبير ــ للمناقشة إلا بعد إخضاع المضاربين.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali