3

تحدي تشغيل العمالة الصيني الأميركي

نيويورك ــ كان صعود دونالد ترمب إلى السلطة في الولايات المتحدة مصحوبا بقدر كبير من تقريع الصين. ورغم ذلك، مع الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينج إلى ضيعة ترمب في فلوريدا في وقت سابق من هذا الشهر، يبدو أن الوضع الراهن في العلاقات الثنائية ــ والذي يشكل أهمية بالغة للتجارة العالمية والنمو والاستقرار ــ سيظل قائما. وقد يكون هذا خبرا طيبا للغاية للعمال الصينيين والأميركيين على حد سواء.

في اجتماع القمة، أكَّد شي جين بينج مرة أخرى على التزام الصين بالحفاظ على علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة، فقال: "نحن لدينا ألف سبب للارتقاء بالعلاقات الصينية الأميركية، وليس هناك أي سبب لإفسادها". ومن جانبه قَبِل ترمب دعوة شي لزيارة الصين قريبا.

وعلى الجانب التجاري، وافق ترمب وشي على خطة مدتها مائة يوم لمناقشة خفض العجز التجاري الأميركي مع الصين. وعلاوة على ذلك، قَبِلَت الولايات المتحدة اقتراح الصين بتجديد إطار المشاركة الثنائية من خلال إنشاء حوار أميركي صيني شامل، يتألف من أربعة حوارات فرعية: الدبلوماسية والأمن، والقضايا الاقتصادية، وإنفاذ القانون والأمن السيبراني، والشؤون الاجتماعية والثقافية.

عَكَس التفاهم بين شي وترمب اعترافا صريحا بالمخاطر المحلية والدولية التي تواجه بلديهما. وبدا أن كلا منهما يدرك أن استقرار العلاقات الأميركية الصينية أمر ضروري لتمكين البلدين من التركيز على التحديات التي تواجه كل منهما.

من منظور شي، تشمل هذه التحديات الإصلاحات البنيوية لجانب العرض لمعالجة الفساد، والتلوث، وارتفاع الدين، والقدرة الفائضة، والإنتاجية المنخفضة. وفي نظر ترمب، تتلخص الضرورة الرئيسية في التغلب على العقبات السياسية والمؤسسية التي تحول دون الوفاء بوعوده، بما في ذلك خفض الضرائب والاستثمار في البنية الأساسية.

ولكن التحدي المشترك بين الزعيمين هو الوظائف. ذلك أن التقدم التكنولوجي، وخاصة في مجال الأتمتة والروبوتات، يفرض الضغوط على عدد متنام من الوظائف. في الولايات المتحدة، كانت هذه الضغوط القوة الدافعة وراء انتخاب ترمب (وإن كانت أصابع الاتهام موجهة في كثير من الأحيان وعلى نحو غير متناسب إلى المهاجرين والواردات من الدول النامية، بما في ذلك الصين). ولكن في الصين أيضا، ربما يشكل انعدام الأمان الوظيفي بفِعل التكنولوجيا تهديدا للاستقرار السياسي.

وفقا لتقرير صادر عن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في العام الماضي، سوف تصبح نسبة من الوظائف تتراوح بين 9% إلى 47% مهددة بسبب الأتمتة خلال العقد المقبل. وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، أصدرت مؤسسة ماكينزي تقريرها الخاص حول هذا الموضوع، والذي تشير تقديراته إلى أن نحو 60% من كل المهن ربما تخضع لأتمتة 30% أو أكثر من أنشطتها الأساسية.

والآن يتعين على قادة العالَم ــ بدءا بترمب وشي ــ أن يعكفوا على التوصل إلى الكيفية التي يمكن من خلالها تعزيز تشغيل العمالة، مع اختفاء الوظائف القائمة. وقد أوصت دراسة إدارة أوباما بنهج يتألف من ثلاثة أقسام: الاستثمار في الذكاء الاصطناعي (للاستفادة من منافعه)؛ وتعليم وتدريب العمال على وظائف المستقبل؛ وتوفير المعونة للعمال الذين يمرون بمرحلة انتقالية. وكل هذا طيب ولا غبار عليه، ولكن هناك حتمية واحدة مفقودة: ضمان إنشاء العدد الكافي من الوظائف على أرض الواقع.

في كل من الصين والولايات المتحدة، كانت اختلالات الوظائف راجعة إلى اختلالات قطاعية وجغرافية. فسوف تهدد السيارات بدون سائق، على سبيل المثال، نحو 2 مليون إلى 3 مليون وظيفة في الولايات المتحدة. وسوف تُلحِق هذه الخسائر في الوظائف أشد الضرر بالعمال في بعض القطاعات ــ بدءا من النقل الشخصي والشحن.

على نحو مماثل، تميل تأثيرات الأتمتة على عمال المصانع إلى التركز في مناطق بعينها. الآن تعاني منطقة حزام الصدأ في أميركا، والتي كانت تتباهى ذات يوم بقطاع تصنيعي قوي، من عواقب الأتمتة بالفعل. وفي الصين، كان الإقليم الشمالي الشرقي هو الأكثر تضررا بخسارة الوظائف، بسبب القدرة الفائضة وإغلاق الصناعات الثقيلة الملوثة والخاسرة.

بيد أن التباين الأشد عاقبة والذي يؤثر على تحدي خلق فرص العمل ربما يكون بين المؤسسات والسياسات. ذلك أن الزيادات الحادة في التوظيف الحكومي تتسم بعدم الاستدامة من الناحية المالية عادة، بل وربما تكون هذه الزيادات هَدَّامة، وقد تزاحم القطاع الخاص. ومع ذلك، اتخذت المؤسسات الكبرى ــ سواء كانت خاصة أو مملوكة للدولة ــ وضع خفض الوظائف، مدفوعة بضغوط متعلقة بالربح أو الكفاءة. وبهذا لا يتبقى سوى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم لتغطية النقص.

من المؤكد أن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم قادرة على القيام بهذه المهمة. بل وحتى لو لم تكن المؤسسات الضخمة تستغني عن العمال حاليا، فإنها كانت لتصبح في وضع غير مؤات في مواجهة الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم الأكثر كفاءة وإبداعا في ظل اقتصاد تعمل على تحويله منصات الإنترنت التفاعلية.

ولنتأمل هنا التجارة الإلكترونية. كما يشير تقرير حديث صادر عن معهد على بابا للبحوث، تعمل التجارة الإلكترونية على تحويل العلاقة بين العملاء والشركات. والآن تحول ما كان ذات يوم نموذجا قائما على التوريد والتوزيع من الشركة إلى المستهلك إلى نموذج أكثر تفاعلية، مع تقديم العملاء لفيض مستمر من ردود الفعل التي يتعين على الشركات أن تتكيف معها باستمرار.

وبوسع منصات الإنترنت الكبيرة مثل علي بابا أن تستخدم البيانات الضخمة والتحليلات الذكية لرصد ومراقبة مثل هذه التغيرات. أما الشركات الكبيرة الراسخة فلا يمكنها الاستجابة لمثل هذه التغيرات ــ ولنقل من خلال تعديل منتجاتها أو كيفية توزيعها ــ بنفس سرعة ومرونة نظرائها من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

ولكن على الرغم من قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم على إنتاج ابتكارات قيمة وخلق فرص العمل جديدة، كان القطاع مهملا بدرجة بالغة من قِبَل صناع السياسات. على سبيل المثال، لا تضع الحوافز الضريبية في الحسبان العوامل الخارجية الإيجابية التي تؤثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في ما يتصل بخلق فرص العمل والإبداع. وبسبب المخاطر المتمثلة في الإخفاقات الفردية، كثيرا ما تتحمل الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم تكاليف أعلى للحصول على الائتمان المصرفي، وخاصة في الصين.

وباعتبارهما السوقين الاستهلاكيين والشريكين التجاريين البارزين الأكبر في العالم، تستطيع الصين والولايات المتحدة القيام بالكثير لمساعدة بعضهما بعضا على التغلب على الحواجز التي تحول دون خلق وظائف متزايدة وعريضة القاعدة وعالية الجودة. فالولايات المتحدة تمتلك التكنولوجيا، والمواهب، والخبرات التنظيمية اللازمة لمواصلة قيادة الطريق إلى الإبداع، ودعم خلق فرص العمل في صناعات وأنشطة جديدة وموجهة نحو المستقبل. ومن المرجح أن يعمل تحرك الصين نحو اقتصاد يقوده الاستهلاك ويدفعه قطاع خدمات حديث على نحو متزايد على تعزيز الطلب على السلع والخدمات الأميركية المبتكرة العالية الجودة.

وسوف تكون النتيجة علاقات تجارية أكثر توازنا، بل وربما شراكة عالمية جديدة من أجل التنمية. وعندما نضع هذا في الاعتبار، لا يسعنا إلا أن نأمل أن يحافظ ترمب على روح التعاون التي أظهرها في قمة فلوريدا الأخيرة.