0

ويكيليكس: استجابة معيبة لعالم معيب

نيويورك ـ قبل مدة طويلة، كتبت عن أحد رواد الإنترنت، جولف هيلسينجيوس، الذي كان يدير سلفاً مبشراً بويكيليكس تحت مسمى anon.penet.fi. وكما قلت آنذاك: "فإن عدم تحديد الهوية أو الاسم في حد ذاته لا ينبغي أن يُعَد مخالفاً للقانون. فهناك من الأسباب الوجيهة التي قد تجعل الناس راغبين في إغفال ذِكر أسمائهم ما يكفي لدفعنا إلى (السماح) بهذه الممارسة ـ على الأقل في بعض الأماكن على شبكة الإنترنت (وفي الحياة الواقعية)".

بيد أن anon.penet.fiلم يحظ بقدر كبير من الانتباه: ففي ذلك الوقت لم يكن هناك العدد الكافي من مستخدمي الإنترنت لقراءة ما نُشِر على ذلك الموقع، فضلاً عن ذلك فإن جولف لم يستخدم "النموذج التجاري" الذي استخدمته ويكيليكس والذي يقوم على التعاون مع "أجهزة إعلام المؤسسة". وفي نهاية المطاف اضطر إلى إغلاق الموقع على إثر مشادة مع الكنيسة السينتولوجية (كنيسة المعرفة الذاتية)، التي استخدمت قانون حقوق النشر للحفاظ على أسرارها.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

قد لا يكون هناك خط فاصل واضح بين ما ينبغي أن يبقى سراً (أو لا يُنطَق به أبدا) وبين ما لا يستحق السرية، ولكن إن كان لهذا الخط وجود فلابد وأن يرسم بعيداً عن الموضع الذي تريده له أغلب السلطات ـ على الأقل في عالم حيث لا تتمتع السلطات بالكمال. وإن كنا غير راغبين أو غير قادرين على المطالبة بالشفافية من جانب المؤسسات التي تفرض سلطتها علينا، فيتعين علينا أن نكون شاكرين لهؤلاء الذين يعرضون حياتهم (وضمائرهم) للخطر حين يطالبون بها بالنيابة عنا.

لذا فقد كنت حريصة على مقابلة جوليان أسانج مؤسس ويكيليكس في منتدى الديمقراطية الشخصية الذي استضافته مدينة برشلونة في عام 2009. في ذلك الوقت كان أسانج قد بدأ بالكاد يشد الانتباه خارج مجتمع التكنولوجيا. وكان شخصاً غامضاً لعوبا، ومصاب ببعض جنون العظمة والشك ـ وربما كان لذلك ما يبرره. وفي وقت لاحق كان من الواضح أن يحكم منظمته الصغيرة بلا أي تسامح مع المعارضة. ولقد جعله هذا يبدو في هيئة الأحمق، ومن المفترض أن نكتشف قريباً ما إذا كان مذنباً بجريمة الاغتصاب وفقاً للقانون السويدي.

ولكن ربما كان المرء بحاجة إلى أن يبدو غريباً وصلب الفؤاد بعض الشيء حتى يتمكن من تكريس حياته لحمل الآخرين على تبني الشفافية. ويُعَد ميخائيل خودوركوفسكي، السجين والرئيس التنفيذي السابق لشركة النفط الأضخم في روسيا سابقا، مثالاً آخر لشخص معيب صعب المراس تحدى الأشخاص المعيبين في السلطة وعدم خضوعهم للمساءلة. والواقع أن أمثال هؤلاء الناس لا يضحون بأنفسهم للتكفير عن خطايانا؛ بل إنهم يرتكبون الخطايا بالنيابة عنا، حتى يتسنى لنا أن نعيش بارتياح في حين يعملون هم على ابتلاء السلطات فيعرضون أنفسهم لقدر عظيم من المخاطر الشخصية في تجاهل (لتفسير السلطات) للقانون بل وحتى الأخلاق في بعض الأحيان.

وبقدر ما أعرف إن الدوافع التي تحرك أسانج ليست معادية لأميركا، ولكنها معادية للسلطة. وفي اعتقادي أنه قد يزعم أنه لا يملك أي قوة غير توثيق ونشر الوثائق التي يرسلها آخرون إليه عن أشخاص من ذوي السلطة، وبالتالي فإنه غير ملزم بكشف أي شيء عن نفسه.

وهذا هو المبدأ المؤسس لويكيليكس وما قد يأتي من بعدها ـ نشر المعلومات التي قد يبقيها المسؤولون سرا، وليس معلومات عن الحياة الخاصة لأفراد. وفي عالم حيث تحتفظ الحكومات والشركات وغير ذلك من المؤسسات بقدر كبير من المعلومات عنا، فمن حقنا أن نحصل على المزيد من المعلومات عن هذه الجهات وعن الأنشطة التي يقوم بها الناس بالنيابة عنها.

وإن لم تكون المؤسسات مسؤولة بشكل كامل فمن المفيد أن يكون لدينا مؤسسة تعويضية غير خاضعة للمساءلة للكشف عن أسرار تلك المؤسسات. والواقع أن نموذج ويكيليكس معقول إلى حد ما: فهي تلتمس الوثائق من أي شخص، وتتولى تقييم ما إذا كانت هذه الوثائق حقيقية، ثم تنشرها مع توجيه إخطارات لصحافة المؤسسة، التي تعمل بوصفها حارساً لبوابة الجماهير يفرضه الأمر الواقع. فكم من الناس يقومون بزيارة أصول ويكيليكس فعليا؟ إنهم قليلون مقارنة بالملايين الذين يرونها مفسرة ومشروحة في وسائل الإعلام الجماهيرية.

ولكن ماذا عن إمكانية تعريض حياة الناس للخطر؟ وماذا عن الأسرار الحقيقية عن الإرهابيين والمفاوضات الحساسة؟ لم تبلغ الأمور مثل هذه النقطة بكل المقاييس. وإن حدث ذلك فإنني كنت لأؤيد خنق ويكيليكس وما تكشف عنه من أسرار... وما كانت أغلب وسائل الإعلام لتعيد نشر محتواها.

والمفارقة العجيبة هنا هي أن القليل مما كشفت عنه ويكيليكس لم يكن معلوماً لنا بالفعل. إن ما نحصل عليه الآن هو التفاصيل ـ التعليقات الشخصية، ونسيج حياة الدبلوماسيين وهؤلاء الذين يراقبونهم، والحصيلة المروعة للحرب وخزيها اليومي، ونفاق وكذب أهل السلطة.

ولكن هل يجعلنا كل هذا أكثر استغراقاً في التشاؤم بدلاً من حملنا على أن نكون أكثر مطالبة؟ وهل يجعل الحكومات أكثر غموضاً وليس أكثر شفافية؟ وهل نتجه نحو عصر أكثر هوساً واستسلاماً لجنون العظمة والشك بشأن الأسرار، بما في ذلك تقاسم قدر أقل من المعلومات المفيدة؟

إذا كان العلاج أسوأ من المرض، على حد تعبير المؤسس المشارك لمنتدى الديمقراطية الشخصية أندرو راسييج، فيتعين علينا أن نبحث عن علاج أفضل: ولنعمل على إيجاد التمييز الصحيح بين ما ينبغي أن يظل سراً وما ينبغي للجميع أن يطلعوا عليه. وعلينا أن نعمل على تعزيز المزيد من الشفافية فيما يتصل بالمؤسسات التي تفرض علينا سلطتها، بحيث لا يصبح لوجود كيانات مثل ويكيليكس ضرورة أو مبرر.

حتى الآن لم يقع قدر كبير من الضرر ـ ولم يتم تحقيق إلا أقل القليل من التغيير الإيجابي. فكانت ردة فعل الولايات المتحدة شديدة المبالغة، حيث طالبت أمازون بإلغاء عقدها مع ويكيليكس، في حين أغلقت شركة باي بال حساب ويكيليكس ـ من دون حتى أن يُطلَب منها ذلك كما يبدو. لماذا تبدو هذه الدعوة إلى الشفافية وكأنها لا تنطبق إلا على البلدان التي تزورها وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، وليس على البلد الذي تمثله؟

كنت قد تحدثت مؤخراً مع أحد أشاوس السلطة، الذي أخبرني عن مدى الصعوبة التي قد يواجهها الدبلوماسيون الأميركيون بسبب هذه التسريبات في تحقيق الأهداف التي يفترض أنها جديرة بالمحاولة. ولكن هل تشكل راحة الدبلوماسيين كل هذا القدر من الأهمية حقا؟ ربما كان من المفيد بالنسبة لنا جميعاً أن نفهم كيف تدار الأمور في الواقع. وفي كل الأحوال فإن ردة الفعل الرسمية تتسم بالمبالغة الشديدة.

والواقع أن ويكيليكس تشكل أهمية كبيرة في الأمد البعيد لسببين. الأول أننا نحتاج إلى إيجاد توازن قوة أفضل بين الناس والسلطة. والمعلومات ـ وعلى وجه التحديد قدرة الإنترنت على نشرها ـ تشكل أفضل وسيلة دفاعية لدينا ضد السلوك السيئ غير الخاضع للمساءلة.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

والسبب الثاني أننا نريد أن نثق في حكوماتنا ومؤسساتنا. والمقصود من الانفتاح هو حمل هؤلاء الذين يمسكون بزمام السلطة على التصرف على نحو أفضل ـ وإكسابنا قدر أكبر من الثقة فيهم. وبدلاً من النظر إليهم على أنهم أعداء، فيتعين علينا أن نعرف ماذا يعتزمون، بل وربما كان من الواجب أن يكون لنا رأي أكبر فيما يفعلون.

إن تحقيق هذه الغاية يتطلب وجود شخص على استعداد لمواجهة الازدراء والسجن والحياة تحت المراقبة. وإنني لأتمنى لو كان جوليان أسانج شخصاً أفضل، ولكن الناس الأفضل لا يرقون إلى مستوى التحدي.