10

لماذا لا تزال المرأة عاجزة عن توجيه الأسئلة الصحيحة

نيويورك ــ في الولايات المتحدة، بدأنا للتو نتعافى من المشاجرة التي كانت متوقعة تماماً حول المظلمة التي نشرتها آن ماري سلوتر، المديرة السابقة لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية والأستاذة بجامعة برينستون، بعنوان "لماذا لا تزال المرأة عاجزة عن الحصول على كل حقوقها". وكانت الاستجابة متوقعة لأن مقالات مماثلة لمقال سلوتر تُنشَر في الولايات المتحدة من قِبَل هيئة دوارة من النساء من ذوات النفوذ (والبشرة البيضاء غالبا) كل ثلاثة أعوام أو ما إلى ذلك.

الواقع أن هذا المقال، أياً كانت كاتبته، يتحسر دوماً على "أسطورة" التوازن بين العمل والحياة بالنسبة للنساء اللاتي يعملن خارج المنزل، ويقدم السقف الزجاجي وإنهاك العمل والأسرة بوصف ذلك نوعاً من الإلهام الشخصي، ويلقي باللائمة على "عقيدة المساواة التامة بين الرجل والمرأة" للتمسك بالفكرة المثالية المتمثلة في "الحصول على كل شيء". وهو يتمكن دوماً من التهرب من المشاكل السياسية الكبرى الواضحة التي يتجاهلها الجميع ــ وهو أمر لا يخلو من المفارقة في حالتنا هذا بشكل خاص، إذا ما علمنا أن سلوتر أفنت عمرها في صياغة السياسات.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

والعيوب التي تشيب هذه الحجج عديدة. فأولا، لم يعد إيجاد التوازن بين  العمل والأسرة قضية خاصة بالمرأة. ففي مختلف أنحاء العالم المتقدم، هناك الملايين من الرجال العاملين الذين يشعرون بالأسف أيضاً بسبب الساعات التي يمضونها بعيداً عن أطفالهم، ويعودون إلى بيوتهم لتحمل العبء الأكبر من المهام المنزلية المشتركة. لعلها كانت "قضية خاصة بالمرأة" قبل خمسة عشر عاما، ولكنها الآن تمثل التوتر المحيط بالحياة العصرية لجيل من النساء والرجال الملتزمين بالمساواة بين الجنسين.

ومثل هذه الحجج تتجاهل أيضاً حقيقة مفادها أن النساء العاملات الميسورات الحال يحولن مع شركائهن في الحياة الأعباء المترتبة على اختلال التوازن بين العمل والأسرة غالباً على النساء من ذوات الدخول المتدنية ــ وبشكل خاص النساء ذوات البشرة الملونة. وبوسع المرء أن يتحدث عن كونه صاحب عمل أخلاقياً مستداماً لمقدمي الرعاية كهؤلاء؛ الآن تسعى المربيات في نيويورك وغيرها من المدن إلى تنظيم الجهود لتأمين نظام يعتمد على ربط الأجور بالأسواق، والحصول على عطلات، وأ��ام إجازات مرضية. أو بوسع المرء، كما يحدث عادة في أي مجتمع عنصري، أن يرسم النساء اللاتي يعتنين بأطفال النخبة خارج الصورة تماما.

فضلاً عن ذلك فإن البيئة الشركاتية غير المرنة وغير المناسبة للأسرة لم تعد الخيار الوحيد أمام المرأة العاملة. فالعديد منهن، وخاصة في الولايات المتحدة، تركن هذا العالم ليبدأن مشاريعهن الخاصة.

والأمر الأكثر أهمية هنا هو أن الأميركيين يميلون بشكل ملحوظ إلى التهوين من المشاكل التي يواجهها آخرون عبر السياسة العامة باعتبارها من الأمور المتعلقة بالاختيار الخاص، بل وحتى الحالة النفسية الشخصية. ولكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان بوسع النساء "الحصول على كل شيء". بل إن القضية هنا تتلخص في التالي: كيف لسياسية مخضرمة في شؤون السياسة الخارجية أن تكتب وكأن دولاً مثل كندا وهولندا لا وجود لها ببساطة.

ففي كندا، يستطيع أي زوجين لديهما طفل رضيع أن يحصلا على ستة أشهر متبادلة بين الاثنين كإجازة بما قد يصل إلى 90% من الأجر الكامل. وفي هولندا ــ السيناريو الأفضل الذي عاينته حتى الآن ــ بوسع الأسرة الحصول على يوم عطلة كل أسبوع، وتدعم الحكومة الرعاية النهارية الكاملة. ولم يحدث أن تم تأطير هذا الحل باعتباره "قضية خاصة بالمرأة"، ولكن بوصفه استحقاقاً للأسرة. الأمر الذي يسمح للمرأة الهولندية ببساطة بالمضي قدماً والتركيز على أهداف أخرى مثيرة للاهتمام في حياتها الشخصية والأسرية.

في أميركا، وعلى النقيض من هذا، تمارس الغرفة التجارية وغيرها من أصحاب المصالح التجارية ضغوطاً شديدة لمنع الساسة من اقتراح مثل هذه الحلول. فهي تعرف أن المليارات من الدولارات تُكَدَّس من استئجار النساء في وظائف ذات مستويات دخل أدنى من الرجال، ثم العمل بعد ذلك على ضمان تسبب الصراع بين العمل والأسرة في انحراف الحياة المهنية للمرأة عن مسارها قبل أن يصبح تعويضها بالعدل أمراً باهظ التكاليف.

لا شك أن أوروبا ليست فردوس المساواة بين الجنسين. فعلى وجه الخصوص، لا يصبح مكان العمل ودوداً بالكامل مع الأسرة إلى أن تصبح المرأة جزءاً من قرارات الإدارة العليا، ولكن المناصب العليا في إدارة الشركات تظل أغلبيتها الساحقة ذكورية. والواقع أن المرأة تحتل 14% فقط من المقاعد في مجال إدارات الشركات الأوروبية.

والآن يدرس الاتحاد الأوروبي إصدار تشريع يلزم مجالس إدارات الشركات بنسبة معينة من النساء ــ قد تصل إلى 60%. بيد أن هذا الإلزام المقترح ناتج عن الإحباط. ففي العام الماضي، أصدرت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية فيفيان ريدينج دعوة للعمل التطوعي. فقد دعت ريدينج الشركات إلى الاشتراك في تحقيق أهداف التوازن بين الجنسين بالموافقة على تخصيص 40% من المقاعد في مجالس إدارات الشركات للنساء. ولقد فعلت مؤسسة فورت في أميركا الآن نفس الشيء مع قائمتها الخاصة من "للنساء الجاهزات لشغل المناصب في مجالس إدارات الشركات". ولكن دعوة ريدينج كان نصيبها الفشل في أوروبا: حيث تبنتها 24 شركة فقط.

ولكن هل نحن في احتياج إلى نظام الحصص لضمان قدرة المرأة على الاستمرار في الصعود على سلم الوظائف الشركاتية بشكل عادل في حين تعمل على إيجاد التوازن بين العمل والأسرة؟

ومؤخراً قالت ريدينج: "أنا شخصياً لا أحب نظام الحصص، ولكني أحب ما يؤدي إليه هذا النظام. فهو يفتح الطريق أما المساواة ويخترق السقف الزجاجي". وهي النتائج المشهودة كما تقول ريدينج في فرنسا وغيرها من الدول التي تتبنى أحكاماً ملزمة قانوناً فيما يتصل بتعيين النساء في مناصب إدارية عليا.

وأن أتفهم تحفظ ريدينج ــ وشعورها بالإحباط. فأنا أيضاً لا أحب نظام الحصص؛ فهو يتناقض مع معتقداتي فيما يتصل بالجدارة. ولكن عندما نفكر في العقبات التي تحول دون تحقيق النموذج المثالي للجدارة، فإن الأمر يبدو وكأن العالم الأكثر عدلاً لابد أن يبدأ بالإلزام ولو مؤقتا.

إن أربعة عقود من الأدلة تشير الآن إلى أن الشركات في أوروبا وأيضاً في الولايات المتحدة تتهرب من تعيين الموظفين استناداً إلى الجدارة وترقية النساء إلى المناصب العليا ــ بصرف النظر عن كم "الضغوط الناعمة" المفروضة عليها. وعندما تنجح المرأة في الوصول إلى قمة السلطة الشركاتية ــ كما فعلت شيريل ساندبيرج مؤخراً في فيس بوك على سبيل المثال ــ فإنها تستحوذ على اهتمام كبير لأنها تظل تشكل الاستثناء للقاعدة.

Fake news or real views Learn More

إذا وضعت السياسات العامة القادرة على مساعدة كل النساء ــ سواء في مناصب المسؤولية التنفيذية أو من يقدمن الرعاية لأبنائهن ــ وكل الأسر، فإن ساندبيرج لن تظل محط اهتمام وسائل الإعلام الإخبارية مقارنة بأي شخص آخر يتمتع بقدرة عالية ويعيش في مجتمع أكثر عدلا. ولن تصبح هناك حاجة لمقالات التظلم والشكوى من أمثال مقال سلوتر.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel