0

لماذا يعيش الأذكياء عمراً أطول؟

ادنبره ـ إن الأشخاص الذين يسجلون علامات أعلى في اختبارات الذكاء أثناء طفولتهم والسنوات الأولى من بلوغهم يميلون إلى البقاء على قيد الحياة لسنوات أطول من غيرهم. ولقد اكتُـشِفَت هذه النتيجة بين أشخاص من أستراليا والدنمرك وإنجلترا وويلز واسكتلندا والسويد والولايات المتحدة. بل إن الدراسة انتهت إلى هذه النتيجة مع كل مجموعة سكانية خضعت لها.

الحقيقة أن تأثير الذكاء على معدل الوفيات ينافس عوامل مجازفة أخرى معروفة تتصل بالمرض والوفاة، مثل ارتفاع ضغط الدم، وزيادة الوزن، وارتفاع نسبة الجلوكوز في الدم، وارتفاع نسبة الكولسترول. ويكاد تأثير هذه العوامل لا يقل أهمية عن تأثير التدخين.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

إن التفاوت في الذكاء البشري يرجع إلى أسباب بيئية ووراثية. ونتيجة اختبار الذكاء المسجلة في وقت مبكر من الحياة تشكل جزئياً سجلاً بما فعلته البيئة بالمخ وبقية أعضاء الجسم حتى ذلك الوقت. فالرُضَّع الذين ولدوا بأوزان أقل على سبيل المثال، يصبحون أكثر عُرضة للأمراض المزمنة في أوقات لاحقة من حياتهم. وهم في المتوسط يتمتعون أيضاً بمعدلات ذكاء أقل قليلاً. ولكن الاختبارات التي حاولت إثبات ما إذا كان الوزن عند الولادة قد يفسر بعض الارتباط بين الذكاء ومعدلات الوفاة لم تجد أية صلة.

ترتبط الحرف التي يمتهنها الآباء أيضاً بذكاء أطفالهم ثم خطر الإصابة بالمرض فيما بعد: فالأطفال المنتمون إلى خلفيات اجتماعية موسرة يميلون إلى الاستمتاع بمعدلات ذكاء أعلى وصحة أفضل، ويعيشون لسنوات أطول. ومع ذلك فليس هناك من الأدلة المقنعة ما يشير إلى أن الخلفيات التي ينتمي إليها الآباء تفسر الارتباط بين معدلات الذكاء الأعلى والحياة الأطول.

ويرى باحثون آخرون أن العلامات المسجلة في اختبار الذكاء قد تشكل أكثر من مجرد مؤشر إلى مخٍ يعمل بكفاءة. فالمخ على أية حال مجرد عضو واحد بين أعضاء الجسم، لذا فإن الأشخاص الذين تعمل أمخاخهم بشكل جيد في وقت مبكر من الحياة قد تكون لديهم أيضاً أعضاء وأجهزة أخرى تعمل بكفاءة أكثر من غيرها.

ولكن فكرة "سلامة النظام" هذه غامضة بعض الشيء ومن الصعب إخضاعها للاختبار. وأفضل ما قمنا به حتى الآن هو تحديد ما إذا كانت سرعة ردود الفعل بين الناس مرتبطة بمعدلات الذكاء والوفاة أم لا. ولقد تبين لنا أنها مرتبطة. إذ أن اختبارات زمن رد الفعل تشتمل على بعض التفكير، وكل ما يفعله المختبِر هو أن يطلب من الشخص الخاضع للاختبار أن يستجيب بأقصى سرعة ممكنة كنوع من التحفيز البسيط. ولقد تبين لنا أن الأشخاص أصحاب الاستجابة الأسرع يتمتعون في المتوسط بمعدلات ذكاء أعلى ويعيشون حياة أطول. ولكن ينبغي علينا أن نفكر في الاستعانة بمقاييس أفضل لسلامة الجسم حتى يتسنى لنا أن نختبر هذه الفكرة بشكل أكثر اكتمالاً.

هناك تفسير ثالث محتمل، وهو أن الذكاء يرتبط بمدى الكفاءة في اتخاذ القرار. ففي كل يوم، وبينما نمارس حياتنا، نتخذ قرارات بشأن صحتنا: متى نأكل وكيف وبأي كمية؛ وكم من التمارين الرياضية ينبغي لنا أن نمارس؛ وكيف نعتني بأنفسنا إذا أصبنا بالمرض؛ وما إلى ذلك.

وعلى هذا فإن سبب الارتباط بين الذكاء والوفاة ربما يكون أن الأشخاص الذين يتمتعون بمعدلات ذكاء أعلى في طفولتهم يتخذون قرارات أفضل بشأن صحتهم ويمارسون سلوكاً صحياً أفضل. وحين يصل هؤلاء الأشخاص إلى مرحلة البلوغ فإنهم يميلون إلى اتباع أنظمة غذائية أفضل، وممارسة المزيد من التمارين الرياضية، والحفاظ على أوزانهم، وعدم الإفراط في تناول الكحول، وهلم جرا.

لا بأس حتى الآن، ولكننا لم نتعرف بعد على القصة كاملة. فحتى الآن لم تقم أي دراسة بجمع معلومات عن الذكاء أثناء الطفولة لمجموعة من الأشخاص، ثم تابعت معهم بعد ذلك بجمع معلومات لاحقة عن سلوكياتهم الصحية بعد بلوغهم وحتى وفاتهم. ولن يتسنى لنا أن نعرف ما إذا كانت هذه السلوكيات الصحية هي التي تفسر الارتباط بين الذكاء والوفاة إلا إذا توفرت دراسة كهذه بين أيدينا.

ثمة نمط رابع من التفسير مفاده أن الأشخاص الذين يتمتعون بمعدلات ذكاء أعلى في الطفولة يميلون إلى الحصول على مؤهلات علمية أفضل، ويعملون في وظائف أكثر حرفية، ويحصلون على دخول أعلى، ويعيشون في مناطق أكثر ثراء. وترتبط هذه المتغيرات أيضاً بالحياة لسنوات أطول. إذن فربما كان الأمر كالتالي: الذكاء الأعلى يسمح للشخص بالحياة في بيئة أكثر أمناً وأكثر صحة وأكثر رأفة بالبيئة.

لا شك أن بعض الدراسات تؤكد أن الطبقة الاجتماعية في سن البلوغ تفسر قدراً كبيراً من الارتباط بين الذكاء والوفاة. ولكن المشكلة هنا أن هذا "التفسير" إحصائي. ونحن ما زلنا على غير يقين مما إذا كان التعليم والمهنة يفسران تأثير الذكاء على الصحة، أو ما إذا كان التعليم والصحة يقومان في الواقع مقام الذكاء.

عمل الباحثون أيضاً على البحث عن أدلة بشأن الارتباط بين الذكاء والوفاة في أنماط معينة من الوفاة. ولقد أوضح لنا هذا العمل الكثير. إن انخفاض معدلات الذكاء في السنوات الأولى من الحياة يرتبط بتعاظم احتمالات الوفاة بأمراض القلب والشرايين، على سبيل المثال، أو الوفاة في حادث، أو الوفاة انتحاراً، أو الوفاة قتلا. ولكن هذا الارتباط لم يثبت بالنسبة للوفاة بالسرطان. وبعد فحصنا لهذه النتائج المحددة أدركنا أن كل ارتباط قد يحتاج إلى تفسير مختلف.

وأخيراً، نحن نعرف أن مدى ذكائنا وطول الحياة التي سنعيشها يرتبطان بعوامل وتأثيرات بيئية ووراثية. وهناك تصاميم تجريبية تستخدم التوائم، وتستطيع أن تتوصل إلى تحديد مدى الارتباط بين الذكاء والوفاة، وذلك لأن التوائم تشترك في نفس التأثيرات البيئية والوراثية.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

من بين الممارسات التنويرية التي نستطيع القيام بها في مجال علم الأوبئة الإدراكي أن نعمل على جمع عدد كبير من التوائم الذين تتوفر لدينا معلومات عن ذكائهم في السنوات الأولى من حياتهم والذين تم تتبعهم لمدة طويلة لكي نعرف من توفي منهم. ولكن حتى الآن لم نصادف مجموعة كبيرة بالدرجة الكافية من التوائم الذين تتوفر عنهم مثل هذه المعلومات. ومن أهم أولوياتنا الآن الوصول إلى مجموعة كهذه.

إن الهدف النهائي لهذا البحث يتلخص في التعرف على ما يتمتع به الأشخاص الأذكياء من سمات تجعلهم يعيشون حياة أطول. وبمجرد أن نتعرف على هذا فسوف يكون بوسعنا أن ننشر هذه المعرفة وأن نطبقها بهدف تحقيق غاية الصحة المثالية للجميع.