5

الدبلوماسية والمعايير المزدوجة

كانبيرا ــ تُرى متى يتحول الحذر الدبلوماسي المقبول والحس الواقعي إلى إدمان يتعذر تبريره للمعايير الأخلاقية. لا أظن أن كل من يعمل على جبهة السياسة الخارجية يبالي بهذا، ولكن أولئك الذين يبالون كثيراً ما يجدون أنفسهم في مواجهة خيارات غير مريحة على الإطلاق.

إن التفاوض على عملية سلام تنقذ أرواح البشر قد يعني منح المذنبين بالقتل العفو. والحياة في ظل الطغيان قد تكون أقل تهديداً لأرواح البشر من اعتناق الفوضى. وتهدئة وضع متفجر قد تعني الامتناع عن الإدانة العلنية لسلوك يستصرخ الإدانة. إن اتخاذ القرار الصائب في العالم الحقيقي أكثر صعوبة من اتخاذه في محاضرة الفلسفة.

ولكن في بعض الأحيان قد يتم تجاوز كل الخطوط حقا، وبإدراك من كل الأطراف، وقد تكون العواقب وخيمة. والواقع أن تقاعس الولايات المتحدة حتى الآن عن قطع مساعداتها العسكرية لمصر رداً على المذبحة التي ارتكبها النظام في حق المئات من أنصار الإخوان المسلمين، في الشوارع والسجون، يُعَد من بين أحدث الأمثلة.

صحيح أن فشل حكومة الرئيس السابق محمد مرسي كان صارخاً ومأساويا ــ فقد كانت الحكومة إيديولوجية بلا هوادة، وأمية على الصعيد الاقتصادي، وغير مسؤولة دستوريا. بل إنها أحدثت استقطاباً عميقاً في مجتمع شديد التوق إلى الشمول والإدماج. ولكن لو كان الجيش قد تحكم في أعصابه ــ وزناده ــ فهناك من الأسباب ما يجعلنا نعتقد أن مرسي كان ليترك الحكم بالخسارة في الانتخابات التالية على أية حال. وإذا رفض الإخوان المسلمون إجراء التصويت أو رفضوا قبول الهزيمة فآنذاك يصبح التفكير في اتخاذ إجراءات أكثر صرامة مقبولا. ولكن كما جرت الحال، فإن انقلاب الجيش لم يكن مبررا، وقتل قواته لمحتجين أغلبهم غير مسلح يرقى إلى عار مذبحة ميدان السلام السماوي في بكين عام 1989، والمذابح التي ارتكبها زعيم ليبيا السابق معمر القذافي، ومذابح حافظ وبشار الأسد في سوريا.