5

المواطن بيزوس؟

نيويورك ــ كانت أول وظيفة جادة عملت بها على الإطلاق هي "مُراجِعة حقائق" في مجلة فوربس (التي تحولت الآن إلى مجموعة من المدونات الحرة في الأغلب). وأنا أعتبر مراجعي الحقائق هم صبية مذبح الصحافة. ورغم أنني تركت هذا المذبح، فإنني لا زلت أشعر بتبجيل عميق للحقيقة المقدسة.

لذا، ففي أغلب المناقشات حول نماذج الأعمال والتي دارت بمناسبة بيع صحيفة واشنطن بوست لمؤسسة شركة أمازون ورئيسها التنفيذي جيف بيزوس، رأيت كل القيم التي كنت أعتز بها وهي تشوه. ولكن كيف ذلك؟

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

الواقع أن حتى مراجعي الحقائق من ذوي السمعة الطيبة يختلفون حول أصل النصيحة الشهيرة الموجهة إلى الصحفيين: "أريحوا المنكوب، وانكبوا المرتاح!" (حتى أنهم يختلفون حول ما إذا كانت تلك النصيحة موجهة في البداية نحو الخطباء أو رجال الصحافة). والصحافة على أية حال مهنة حيث لا نستطيع أن نعتبر العميل دوماً على حق.

إن التحدي الذي تفرضه الاعتبارات التجارية على الصحافة ــ سواء الإخبارية أو التحليلية ــ يتخذ هيئة ثلاثة إغراءات منفصلة: تحريف الأنباء لإرضاء القراء وليس تثقيفهم، وبالتالي اجتذاب المعلنين، وتحريف الأنباء لإرضاء المعلنين بشكل مباشر؛ وتحريف الأنباء لتعزيز المصالح السياسية والتجارية للمالكين. وكانت هذه المغريات موجودة دائما، ولكن الأنباء "الجامدة" يمكن دعمها بالاستعانة بأقسام ترضي الناخبين، وميزات وتعليقات على المنتجات لإرضاء المعلنين، وأقسام الأخبار المفيدة المفعمة بالإعلانات عن سلع ذات صلة، وبالطبع الإعلانات المبوبة.

اليوم، أصبحت كنيسة الصحافة الورقية مفتتة. فقد بات بوسع الشركات التجارية الشهيرة وشركات الإعلان أن تتحدث بشكل مباشر إلى العملاء، ولم تعد الأسواق في احتياج إلى قوة الإقناع التي تتمتع بها أي صحيفة للمضاهاة بين المشترين والبائعين (الغرض من الإعلانات المبوبة).

إن أشكال الصحافة الاستقصائية والتحليلية الجادة، مثلها كمثل الأديان، لا تعمل وفقاً لنموذج الربح. فهي تخدم هدفاً أسمى (ولو أنها من الممكن أن تفسد أو تنحرف لتحقيق غايات ملتوية).

هل ينبغي لنا إذن أن نرحب بدخول بيزوس إلى هذا العالم؟ يتوقع العديد من المعلقين منه أن يعمل على رقمنة وتوريق وتثوير صحيفة واشنطن بوست (أياً كان معنى هذه المصطلحات). ولكن أعتقد أنه اشتراها لتحقيق غرض مختلف. فهو رجل أعمال داهية ــ وهذا أمر واضح. وهو يدير شركة أمازون بشكل بالغ الإحكام وعلى الأمد البعيد؛ وتولد الشركة كميات هائلة من الأموال، التي تعيد استثمارها نيابة عن جميع مساهميها.

بيد أن بيزوس شخصيا، وليس شركة أمازون، هو الذي اشترى صحيفة واشنطن بوست. وهذا هو الرجل الذي يتبرع بسخاء لمؤسسة لونج ناو (وأنا عضو مجلس إدارتها) والذي أسس شخصياً ويمتلك شركة صواريخ باسم بلو أوريجين (وأنا عضو مجلس إدارة شركة منافسة لها تسمى "إكس سي أو آر").

وأعتقد ــ وأتمنى ــ أن يتخذ بيزوس قرارات سليمة قائمة على التمييز الصحيح. فهو يدرك الفارق بين الصحافة ووسائط الإعلام (من بين استثماراته الشخصية الأخرى موقع Business Insiderعلى شبكة الإنترنت).

في عصرنا الذي تحركه الأسواق، نميل إلى التفكير في أسعار كل شيء وقيمة لا شيء، على حد تعبير أوسكار وايلد. ولكننا نكتشف أيضاً الاقتصاد السلوكي ــ النزوات الإنسانية والدوافع العاطفية التي تحث الناس على القيام بأمور غير منطقة على المستوى الاقتصادي. والواقع أن النكتة الأفضل على الإطلاق ــ التي تقول إن بيزوس اشترى صحيفة واشنطن بوست عن طريق الخطأ من خلال عمليات الشراء بنقرة واحدة على الإنترنت (وهي القدرة التي تمتلك شركة أمازون براءة اختراعها) ــ تحمل مسحة من الحقيقة. ذلك أن قرار الشراء لم يكن راجعاً إلى دوافع اقتصادية، ولو أنه لم يكن عن طريق الخطأ.

ولا يوجد في الأرجح نموذج أعمال مستدام للصحف مثل واشنطن بوست. ولكنني أعتقد أن هناك قيمة مستدامة من ذلك النوع الذي لا تستطيع أي شركة أو مستثمر تبريره.

إن خطوة بيزوس ليست مثل عمليات الشراء الأخيرة لصحيفة نيوزويك، حيث اشتمل الأمر على وهم تحويل توجهها، أو صحيفة بوسطن جلوب التي اشتراها جون هنري الذي يمتلك فريق البيسبول بوسطن رد سوكس ونادي ليفربول لكرة القدم. ولعل المثال الأكثر إثارة للاهتمام روبرت مردوخ ــ نجل بارون الأخبار الأسترالي ــ الذي قسم مؤخراً شركة الأنباء التي تسيطر عليها أسرته، إلى شركة الإنتاج التلفزيوني والسينمائي فوكس القرن الحادي والعشرين وشركة الأنباء الجديدة الأقل ربحية، التي تحتفظ بالعمليات الإخبارية والنشر.

ورغم أن مردوخ يظل رئيساً للشركتين، فإن الجميع يتوقعون منه أن يركز بشكل أكبر على العمل الإخباري. وتشمل تلك المحفظة الاستثمارية الصحف الصفراء التي ترضي العملاء والتي لا يخلو تاريخها من التجسس والرشوة، والصحافة الوقورة المشهود لها في الصفحات الإخبارية بصحيفة وال ستريت جورنال ــ وهو التناقض الذي لم يحله تقسيم الشركة الأم.

وأخيرا، هناك بروجيكت سنديكيت ذاتها (التي تنشر هذا العمود). تعمل شركة بروجيكت سنديكيت، التي كانت تمول في الأصل بواسطة ملياردير آخر هو جورج سورس، بشكل مستقل من أجل تقديم آراء وتحليلات مطلعة وعظيمة القيمة في غياب أي "قصص إخبارية إعلانية" أو استعراض لمنتجات على صفحاتها.

ومن بين سبل التفكير في أفضل نماذج الأعمال لعالم الصحافة التفكير في أفضل نماذج الأعمال في عالم الأغذية. أهي مائدة مفتوحة يمكنك أن تتناول قدر ما يمكنك منها؟ أم أنها حرم عصري لقوائم تحدد سعر كل صنف على حِدة حيث أفخر أنواع النبيذ التي تدر أغلب الربح؟ أم أنها امتياز يبيع أطباقاً سابقة الطهي تذاب وتسخن في أفران ضخمة؟ كل هذا قد يفلح ــ ولكن فقط من خلال الإدارة الجيدة.

ولكن هناك أيضاً مطبخ الحساء الخيري ــ وهي في حالة صحيفة واشنطن بوست مؤسسات راقية تقدم الطعام المغذي لعالم حيث تنتشر الآن المطاعم التي توزع أغذية أقل صحة، لأنها تستخدمها لبيع سلع أخرى.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

وفي النهاية، أعتقد أن بيزوس لا يريد امتلاك صحيفة واشنطن بوست بقدر ما يريد تحريرها، لجيل أو جيلين على الأقل. وكما كتب بيزوس في مذكرة إلى الموظفين: "إن قيم واشنطن بوست لا يجب أن تتغير. وسوف يظل واجب الصحيفة لقرائها وليس المصالح الخاصة لمالكيها. وسوف نستمر في متابعة الحقيقة أياً كان الطريق الذي تقودنا إليه...". وإذا كنت مخطئة، فإنني أتمنى لو يساعده هذا التعليق في العودة إلى الصواب.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel