19

أوروبا على طريق الفُرقة

ميونيخ ــ إن الولايات المتحدة تتبنى شعار: "واحد من كثيرين". ويتبنى الاتحاد الأوروبي شعار "الوحدة في التنوع". والواقع أنه من الصعب أن نعبر عن الاختلافات بين النموذجين الأميركي والأوروبي بوضوح أكبر مما يعبر عنها الفارق بين الشعارين. إن الولايات المتحدة عبارة عن بوتقة صهر، في حين تشكل أوروبا فسيفساء من الشعوب والثقافات المختلفة التي تطورت على مدى تاريخها الطويل.

ويثير هذا الاختلاف التساؤل حول ما إذا كان الأمر يستحق الكفاح من أجل تأسيس ولايات متحدة أوروبية ــ وهو المفهوم الذي يرفض كثيرون تقبله لأنهم لا يعتقدون في إمكانية توحيد الهوية الأوروبية. وهم يصرون على أن إقامة نظام سياسي موحد مثل نظام الولايات المتحدة يستلزم سلفاً وجود لغة مشتركة وجنسية واحدة.

ولعل فكرة تأسيس الولايات المتحدة الأوروبية، التي كانت حلم أطفال ما بعد الحرب من أمثالي، من غير الممكن أن تتحقق أبدا. ولكني لست على يقين من هذا. ذلك أن تعميق التكامل الأوروبي وإنشاء نظام سياسي موحد يقدم ميزات راسخة وعملية ولا يتطلب هوية مشتركة أو لغة واحدة. ومن بين هذه الميزات حق التنقل بحرية عبر الحدود، وحق انتقال السلع والخدمات، واليقين القانوني بشأن الأنشطة الاقتصادية العابرة للحدود، وإقامة بنية أساسية للنقل على مستوى أوروبا بالكامل، وأخيراً وليس آخرا، وضع ترتيبات أمنية مشتركة.

ويعد التنظيم المصرفي المنطقة الأكثر موضوعية في هذا السياق، حيث يُعَد العمل الجماعي منطقيا. فإذا تم تنظيم البنوك على المستوى الوطني، ولكن سُمِح لها بالقيام بأعمال تجارية على الصعيد الدولي، فإن السلطات التنظيمية الوطنية سوف تجد لديها حافزاً دائماً لوضع معايير متساهلة لتجنب دفع الشركات والمستثمرين إلى الانتقال إلى دول أخرى واجتذابهم من دول أخرى بدلاً من ذلك. وبهذا تنحط المنافسة التنظيمية لتتحول إلى مسابقة على الوصول إلى القاع، لأن الفوائد المترتبة على التنظيم المتساهل المتراخي تترجم إلى فوائد في الداخل، في حين يتحمل دائنو البنوك في مختلف أنحاء العالم الخسائر.