0

من يحتاج إلى العلوم الإنسانية؟

وارويك، المملكة المتحدة ـ في أيامنا هذه، أصبح صناع القرار، في بلد بعد الآخر، مهووسين بضرورة تعزيز تدريس المواد العلمية. ولكن ماذا عن العلوم الإنسانية ـ كل تلك الفروع مثل الأدب، والتاريخ، واللغات، وما إلى ذلك ـ التي تتسم بعدم وضوح ارتباطها بالقدرة على التنافس على الصعيد الاقتصادي؟

إننا لا نحتاج إلى العلوم الإنسانية إلا بقدر ارتباطنا بفكرة الإنسانية. وإذا ما أصبحت العلوم الإنسانية تشكل فرعاً عتيقاً من العلم، فربما يعني ذلك أن الإنسانية قد خسرت مكانتها.

لا أعني بذلك أننا أصبحنا "أقل إنسانية" أو أقرب إلى "التوحش". فنحن نعيش في زمن حيث أصبحت المشاغل الإنسانية، مثل "الحقوق"، ممتدة لكي تشمل الحيوانات، إن لم يكن الطبيعة ككل. والمشكلة هنا تكمن في الجزم بما إذا كان الانتماء إلى الإنسانية يحمل في طياته أي قدر من التميز الذي يجعلنا نسعى بصورة خاصة إلى الحصول على تعليم عال. أعتقد أن الإجابة هي "أجل" في كل الأحوال.

اليوم أصبح من قبيل التشبث بالماضي العتيق أن نصف الغرض من الجامعة بأنه "تهذيب" للناس، وكأنها مدرسة مجيدة لصقل الناس وإضفاء اللمسات الأخيرة عليهم. إلا أننا حين نستبعد تاريخ الجامعة النخبوي، يظل لدينا عنصر قوي من الصدق في هذه الفكرة، وبصورة خاصة حين نطبقها على العلوم الإنسانية. ورغم أننا الآن ننظر إلى الفروع الأكاديمية، بما في ذلك العلوم الإنسانية، باعتبارها فروعاً "قائمة على البحث"، إلا أن هذا يشكل استخفافاً بالدور التاريخي الذي لعبته الجامعة في تحويل إنسان العصر الحديث المنتمي إلى فصيلة الرئيسيات إلى مخلوق تمتد اهتماماته وطموحاته وإنجازاته إلى ما هو أبعد من مجرد التكاثر الجنسي الناجح.