9

أيرلندا وحوار التقشف

دبلن ــ يستشهد كل من طرفي المناقشة الدائرة حول التقشف، والتي تستحوذ على كامل انتباه خبراء الاقتصاد وصناع السياسات الآن، بتجربة أيرلندا كدليل يؤكد حجته. ومهما حاول الطرفان توصيف البلد باعتباره الممثل النموذجي لحجته، فإن أياً منهما غير قادر على إقناع الآخر. ورغم هذا فإن لعبة "شَدّ الحبل" هذه مهمة، لأنها تصور النطاق المعقد للحجج المطروحة. وهي توضح لنا فضلاً عن ذلك السبب الذي يجعل من صنع السياسات الاقتصادية الأكثر حسماً عملية بالغة التعقيد والمرواغة.

إليكم أولاً تَذكِرة سريعة بتاريخ أيرلندا الاقتصادي الحديث البائس. لقد انغمست البنوك الأيرلندية في الإقراض المفرط، بعد أن ارتكنت إلى الرضا عن الذات والتجاوزات بفضل المدد الوافر من التمويل الرخيص اصطناعيا. وتخطى الميل غير المسؤول إلى خوض المجازفات والجشع المفرط كل حدود التنظيمات التحوطية والإشراف الحكيم. وانتهت الحال بالنظام المصرفي إلى تغذية عمليات المضاربة على نطاق واسع، بما في ذلك ارتفاع غير عادي في أسعار العقارات، وكانت النتيجة الطبيعية أن يجثو النظام على ركبتيه عندما انفجرت الفقاعات.

وخلافاً للعديد من الأسر الأيرلندية التي فقدت وظائفها وجزءاً من ثرواتها، فقد اعتبرت البنوك "أكبر من أن يُسمَح لها بالإفلاس"، وعلى هذا فقد تدخلت النخب السياسية في أيرلندا بالتمويل من الدولة. ولكن بسبب استخفافها بالجوانب المحلية والدولية من المشكلة، تسببت السلطات في تحويل مشكلة مصرفية إلى مأساة وطنية.

وبدلاً من استعادة البنوك لعافيتها المالية وضمان السلوك المسؤول، انزلق الاقتصاد الأيرلندي ككل إلى الأسفل. فانهار النمو؛ وارتفعت البطالة إلى عنان السماء. ومع الافتقار إلى الفرص، ارتفعت معدلات الهجرة ــ وهي تَذكِرة قوية بالكيفية التي عاثت بها الأزمات الاقتصادية فساداً في التركيبة الديموغرافية (السكانية) للبلاد طيلة تاريخها.