19

عودة الاحتواء

البندقية ــ في مقال نشرته مجلة فورن أفيرز في عام 1947، كتب الدبلوماسي الأميركي جورج كينان، والذي اشتُهِر بالتوقيع بحرف "إكس"، "لابد أن يكون العنصر الرئيسي في أي سياسة تنتهجها الولايات المتحدة في التعامل مع الاتحاد السوفييتي هو الاحتواء الصبور الطويل الأجل، ولكن بحزم ويقظة". وإذا وضعنا "روسيا" في محل "الاتحاد السوفييتي"، فإن "سياسة الاحتواء" وفقا لكينان تصبح منطقية تماما اليوم. إذ يكاد يكون الأمر وكأن شيئا لم يتغير طوال ما يقرب من السبعين عاما، برغم أن كل شيء قد تغير في حقيقة الأمر.

بطبيعة الحال، ربما يكون بوسعنا أن نقول إن الاتحاد السوفييتي كان مكبوحا بشكل دائم. ولكن روسيا تُظهِر نفس "النزعات التوسعية" التي حَذَّر منها كينان. الواقع أن الثقة بين روسيا و"الغرب" اليوم أصبحت عند أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة على الأقل. ووفقا لسفير روسيا إلى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، فإن التوترات الحالية "ربما تكون الأسوأ على الإطلاق منذ عام 1973، عندما دفعت حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر) الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى الاقتراب من المواجهة النووية أكثر من أي وقت مضى منذ أزمة الصواريخ الكوبية.

الواقع أن هذا القدر من التشاؤم مبرر. ففي عامنا هذا وحده، تضاعفت مصادر الخلاف مع روسيا وتعمقت. فقد انسحبت روسيا من عدد من الاتفاقيات النووية، ومؤخرا وضع الكرملين صواريخ إسكندر، القادرة على نقل أسلحة نووية متوسطة المدى، في كالينينجراد بالقرب من الحدود البولندية.

وعلاوة على ذلك، أصبحت الأزمة الأوكرانية أبعد ما تكون عن الحل: فلم تُحتَرَم اتفاقات مينسك لوقف إطلاق النار، وربما يتصاعد النزاع المسلح في أي لحظة. ويبدو من المرجح أن روسيا كانت تتدخل بشكل مباشر في السياسة الداخلية للديمقراطيات الغربية، مستخدمة في ذلك تسريبات لوثائق حساسة فضلا عن تمويل الشعبويين اليمينيين، من مارين لوبان إلى دونالد ترامب، الذين قد يتخذون مواقف داعمة للكرملين.