prasad16_d3sign_getty images_covid stock market d3sign/Getty Images

لا تبالغوا في تقدير التعافي من الجائحة

واشنطن، العاصمة ــ نهض الاقتصاد العالمي من أعماق الانهيار الأولي الذي أحدثته جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19). لكن التعافي كان فاترا، ومتقطعا، وهشا ــ ومن المرجح أن يظل على حاله هذه في المستقبل المنظور.

لنبدأ بالأخبار السارة. انتعشت تجارة البضائع العالمية بقوة، بما يتفق مع المؤشرات الدالة على انتعاش الطلب الأسري على السلع في العديد من الاقتصادات، حتى على الرغم من استمرار القيود على الصحة العامة ومخاوف المستهلكين في تقييد الطلب على الخدمات.

علاوة على ذلك، ظلت الأسواق المالية صامدة بدرجة مدهشة، حيث استعادت أسواق الأسهم في العديد من البلدان مستويات ما قبل الجائحة أو حتى تجاوزتها. وعلى الرغم من أسعار الفائدة القريبة من الصِـفر، تبدو الأنظمة المصرفية والمالية مستقرة إلى حد كبير. وساعد الطلب الاستهلاكي والصناعي في انتعاش أسعار السلع الأساسية، مع تعافي حتى أسعار النفط بعض الشيء.

ولكن كما تُـظـهِـر أحدث مؤشرات بروكنجز-فاينانشال تايمز لتتبع التعافي الاقتصادي العالمي، لا تشهد العديد من الاقتصادات أي نمو، أو حتى انكماش، في الأساس. ومع استنفاد ثقة القطاع الخاص، وابتعاد النضال لاحتواء الفيروس عن تحقيق هدفه النهائي، تتعاظم مخاطر حدوث أضرار اقتصادية جسيمة ودائمة.

(الرسم البياني 1)

يصدق هذا حتى في الاقتصادات التي عادت إلى النمو، مثل الولايات المتحدة. من بعض النواحي، يبدو أن الولايات المتحدة تخطت الأزمة. فقد استعاد النشاط الاقتصادي وسوق العمل بعض الأرض المفقودة. كما يتجه معدل البطالة إلى الانخفاض، في حين ترتفع مستويات تشغيل العمالة.

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2020_web_thegreenrecovery

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world’s leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; The Green Recovery special-edition print magazine; the complete PS archive; and more – All for less than $9 a month.

Subscribe Now

لكن تظل معدلات البطالة أعلى بشكل ملحوظ، ومستويات تشغيل العمالة أقل كثيرا مما كانت عليه قبل الجائحة. وتنذر الزيادة في البطالة الطويلة الأمد، إلى جانب الارتباكات المستمرة في قطاع الخدمات، بمسار صعب إلى التعافي الأكثر قوة واستدامة.

ما يزيد الطين بلة أن تدابير التحفيز المالي بلغت منتهاها إلى حد كبير، وانهارت المفاوضات بشأن حزمة إغاثة جديدة على نحو متكرر. ومع انحدار الدخل المتاح للأسر بعد سداد ديونها، تمكن الضعف من نمو الاستهلاك الخاص. على نحو مماثل، يستمر الاستثمار التجاري في الانكماش ــ وهو اتجاه لا يبشر بأي خير للنمو المستدام.

وحتى أسواق الأسهم، التي شهدت انتعاشا حادا في وقت سابق من هذا العام، يبدو أنها الآن تأخذ استراحة. وربما يعكس هذا المخاوف بشأن استراتيجية احتواء الفيروس (أو غياب هذه الاستراتيجية) التي تلاحقها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. في كل الأحوال، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في الشهر المقبل، من المرجح أن يؤدي عدم اليقين السياسي وغموض السياسات إلى الإبقاء على ثقة المستهلك والأعمال عند مستوى منخفض.

والحال أسوأ في منطقة اليورو. فلم تكتف الجائحة بالقضاء على النمو في الأمد القريب؛ بل أفضت أيضا إلى ظهور الانكماش الآن، مما يزيد من خطر الانكماش العميق الطويل الأمد. وعلى الرغم من انتعاش التصنيع في ألمانيا وأماكن أخرى، فإن ركود الخدمات المستمر، الذي تعزز بفعل قيود الصحة العامة المستمرة، يلتهم كل التأثيرات الإيجابية.

على النقيض من هذا، شهد قطاع الخدمات في المملكة المتحدة انتعاشا قويا. ومع ذلك، يساهم ذلك المزيج من سياسات الإغلاق المتذبذبة والشكوك العميقة المحيطة بعملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في استمرار الانكماش الاقتصادي. في الوقت ذاته، على الجانب الأخر من العالم، تحيط مخاطر اقتصادية جسيمة باليابان أيضا، على الرغم من نجاحها حتى الآن في تجنب العودة إلى الانكماش.

ولم يكن أداء معظم اقتصادات الأسواق الناشئة طيبا أيضا. إذ يشهد النشاط الاقتصادي في الهند تباطؤا حادا، والذي قد يتفاقم بفعل تسارع مدمر في حالات الإصابة بعدوى كوفيد-19 بسبب تخفيف إجراءات الإغلاق. وقد دفعت الحكومة ببعض الإصلاحات الزراعية وإصلاحات سوق العمل، لكن النظام المصرفي المتعثر بفعل القروض المعدومة يظل يشكل قيدا قويا يعوق النمو.

كان أداء البرازيل وروسيا أفضل قليلا. لكن البلدين يعانيان من انكماش اقتصادي كبير، وكل منهما لا يملك سوى قِـلة من أدوات السياسة المتاحة لإنعاش النمو.

الدولة الوحيدة التي تشهد تعافيا قويا هي الصين، حيث انتعش الإنتاج الصناعي والخدمات إلى حد كبير بفضل نجاح الصين الواضح في السيطرة على الفيروس. كما ارتدت مبيعات التجزئة والاستثمار في قطاع التصنيع إلى المستويات السابقة. وتؤكد العديد من المؤشرات أن أداء الصين الاقتصادي أصبح الآن أقوى مما كان عليه قبل الجائحة.

(الرسم البياني 2)

لكن خلافا لما حدث في أعقاب أزمة 2008 المالية العالمية، من غير المرجح أن يكون أداء الصين القوي مفيدا بشكل كبير في دعم بقية الاقتصاد العالمي، وخاصة بسبب الاندفاع المتزايد نحو تفكيك العولمة. وسوف تعمل "استراتيجية التداول المزدوج" التي أطلقتها الصين مؤخرا ــ والتي بموجبها تعتمد البلاد بشكل متزايد على الدورة المحلية في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في ما يتصل بالتنمية البعيدة الأمد ــ على تعزيز هذا الاتجاه.

ما يزيد الأمور تعقيدا على تعقيد أن الذخيرة المتاحة للبنوك المركزية الآن أصبحت أقل كثيرا مما كانت عليه بعد أزمة 2008. من المؤكد أن البنوك المركزية الكبرى بذلت قصارى جهدها على مستوى السياسات منذ اندلعت أزمة كوفيد-19، فواصلت التوسع النقدي غير المسبوق من أجل دعم النشاط الاقتصادي، وفي بعض الحالات لدرء الانكماش. حتى أن بعض البنوك المركزية ــ وأبرزها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ــ ذهبت إلى تعديل أطر سياساتها للإشارة إلى تسامحها مع التضخم الأعلى. كما لجأت البنوك المركزية في بعض الاقتصادات المتقدمة الأصغر حجما، مثل أستراليا ونيوزيلندا، والاقتصادات الناشئة، مثل الهند، إلى اتخاذ تدابير غير تقليدية.

لكن حدود استخدام السياسة النقدية لتعزيز النمو أصبحت واضحة على نحو متزايد. في ذات الوقت، تتسبب المشتريات الواسعة النطاق من سندات الشركات والحكومات، إلى جانب التمويل المباشر للشركات، في توليد مخاطر جسيمة ــ وخاصة تلك التي تهدد استقلالية البنوك المركزية.

على هذه الخلفية، لن تجد الحكومات سوى خيار واحد معقول: المزيد من التحفيز المالي القوي، الذي يجب أن يأتي، في الأمثل، في هيئة إنفاق حكومي جيد التوجيه وقادر على تحفيز الاستثمار الخاص. أيا كانت المخاطر التي قد تولدها زيادة الدين العام، فإنها لا تقارن بالآلام الاقتصادية التي ستواجه البلدان في غياب مثل هذا التحفيز ــ وخاصة في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة اليوم.

لكن ضمان فاعلية التدابير المالية يستلزم استكمالها باستراتيجيات متماسكة لاحتواء الفيروس، وقادرة على العمل بشكل جدير بالثقة على تمكين إعادة فتح الاقتصاد بأمان. في غياب مثل هذه الاستراتيجيات، يظل الطلب والثقة في الحضيض، ويستمر تعثر النمو العالمي لفترة طويلة في المستقبل.

ساعد دارين تشانج وإيثان وو، وهما طالبان جامعيان في كورنيل، في كتابة هذا التعليق.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

https://prosyn.org/oEeR6kFar