8

نظرة جديدة على الحرب الأفغانية

نيويورك - مع هيمنة الأزمة السورية على عناوين الأخبار، يولي عدد قليل من الناس الإهتمام بالحرب الأطول في أميركا ففي الواقع في الأشهر الأولى من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالكاد ذكرت الحرب في أفغانستان على الرغم من وجود اثنين من ضباط الجيش ذوي الخبرة  وهما وزير الدفاع جيم ماتيس ومستشار الأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر في مناصب رئيسية وهذا يجب أن يتغير.

إن الوضع في أفغانستان بعد خمسة عشر عاما من التدخل الفاشل خرج عن نطاق السيطرة و تعد حكومة الوحدة التي ظهرت بعد الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2014 فاشلة و الظروف الأمنية في تدهور سريع  وفي الوقت نفسه هناك إرتفاع في إنتاج الأفيون حيث تحتل أفغانستان حاليا المرتبة الثانية في العالم في مجال غسل الأموال (بعد إيران) و تستمر تدفقات اللاجئين الأفغان دون إنقطاع في أوروبا و أماكن أخرى.

لقد أدت الحرب في أفغانستان إلى خسائر هائلة حيث تشمل الوفيات حتى الآن ما يقرب من 3500 جندي من قوات التحالف (حوالي 70٪ منهم من القوات الأمريكية)، ونفس العدد من المقاولين وحوالي 100 ألف أفغاني (بما في ذلك قوات الأمن ومقاتلي المعارضة والمدنيين) و قد أنفقت الولايات المتحدة منذ عام 2002 أكثر من 780 مليار دولار على الحرب أي ما يعادل تقريبا ميزانية الشؤون الخارجية الأمريكية بأكملها لأكثر من عقدين وستضيف النفقات الإضافية من خارج الميزانية بما في ذلك مدفوعات العجز والتعويض لأسر الجنود الذين سقطوا مئات المليارات من الدولارات إلى التكلفة الإجمالية للحرب.

كان من المفترض أن تنتهي الحرب في أفغانستان منذ فترة طويلة فالقوات الأمريكية لم تدخل البلاد لإعادة إعمارها أو إنشاء ديمقراطية و لكن هناك سلسلة من الأخطاء -وهي سياسات مدنية خاطئة وأولويات ليست في محلها من جانب الحكومة والجهات المانحة لها- عززت التجنيد بالنسبة للمجموعات التي يفترض أن تهزمها الولايات المتحدة الأمريكية بما في ذلك تنظيم القاعدة وحركة طالبان الأفغانية ومؤخرا الدولة الإسلامية.

لقد كان الهدف من "بناء الأمة" واستراتيجية مكافحة التمرد التي رافقت زيادة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للقوات في عام 2010  هو تحويل مسار الحرب  وبدلا من ذلك، عندما غادرت القوات الأمريكية والقوات المتحالفة مناطق كان من المفترض أنه قد تم تطهيرها ، سرعان ما عادت حركة طالبان وغيرها من الجماعات المتطرفة.

وتعكس الزيادة البالغة 43 في المائة في إنتاج الأفيون في العام الماضي فقط القوة المتزايدة لهذه المجموعات التي تستخدم الإيرادات من تهريب المخدرات لتمويل عملياتها ومن بين التدفقات السنوية العالمية التي تتراوح بين 430 و 450 طنا من الهيروين والمورفين فإن نحو 380 طنا يتم إنتاجها بإستخدام الأفيون الأفغاني.

و قد سمح في الوقت نفسه لأفغانستان بأن تقع في فخ المساعدات فقد صرفت الولايات المتحدة نحو 110 مليار دولار لإعادة الإعمار الأفغاني (واذا قمنا بتعديل هذا المبلغ لغايات التضخم سنجد انه يعادل مبلغ 12.5 مليار دولار والذي يمثل تكلفة خطة مارشال لإعادة الإعمار في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية) وخصص ما يقرب من 70 مليار دولار من تلك الأموال لإنشاء وتمويل قوات الأمن الأفغانية  وذهب مبلغ 40 مليار دولار إلى المصروفات غير العسكرية.

إن أفغانستان مع ذلك وعلى الرغم من كل هذا الإنفاق لن تكون قادرة على الوقوف على قدميها لعقود قادمة و قد بلغ الناتج المحلي الإجمالي التراكمي للبلد في الفترة من عام 2002 إلى عام 2015 170 مليار دولار فقط أما في عام 2016 فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي 17 مليار دولار فقط أو 525 دولار للفرد الواحد وبلغت المساعدات غير العسكرية من الولايات المتحدة وغيرها 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط كل عام منذ عام 2002 حيث تم تسليم هذه المساعدات بشكل مستمر من خلال نفس الوسائل غير الفعالة وحتى لو كان المفتش العام الأمريكي الخاص لإعادة إعمار أفغانستان وآخرين قد سلطوا مرارا وتكرارا الضوء على فداحة مشكلة تبذير الأموال والاحتيال وسوء المعاملة.

وبما أن إدارة ترامب تغير أولويات الولايات المتحدة في مجال السياسة الخارجية، يجب أن تكون الأولوية هي وضع إستراتيجية أكثر فعالية للعمليات الأمريكية في أفغانستان وبعد وضع هذه الاستراتيجية  فقط يجب على الإدارة تلبية طلبات الجيش الأمريكي بإرسال المزيد من القوات.

لحسن الحظ فإن كل من ماتيس وماكمستر يعرفان أن مجرد إغداق المزيد من الأموال والقوات في أفغانستان لن يوفي بالغرض وفي الواقع، شدد كلاهما على ضرورة دعم عمليات مكافحة التمرد بسياسات فعالة بحيث لا تخلق أعداء جدد وتؤجج الحاجة إلى "المزيد من الذخائر" وقد قام كبار الضباط المتقاعدون من جميع أسلحة القوات المسلحة الأمريكية بتطوير هذا المنطق وذلك بإخبار قادة الكونجرس بأن مكافحة الإرهاب تتطلب معالجة أسبابه، مثل الافتقار إلى الفرص وانعدام الأمن والظلم واليأس.

سيحتاج القادة الأمريكيون إلى الانخراط في إعادة تفكير جذري و ذلك ولإيجاد سياسات أكثر فعالية من حيث التكلفة ومتكاملة وشاملة يستفيد منها معظم الأفغان وليس فقط القلة المميزين. وهناك مقترحات مختلفة مطروحة على الطاولة بما في ذلك مقترح لي شخصيا وهو إنشاء "مناطق إعادة الإعمار" واحدة تستهدف الإنتاج المحلي وأخرى تستهدف الصادرات و التي تدعم الإنتعاش الاقتصادي.

ويمكن أن تساعد "مناطق إعادة الإعمار" أفغانستان الغنية بالموارد على الاستعاضة عن المعونة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة وعائدات التصدير وسيعمل المستثمرون الأجانب من أجل دعم المجتمعات المحلية، مما يجعلهم ينتجون الأغذية والخدمات للاستهلاك المحلي، بدلا من تشريدهم، كما هو الحال في كثير من الأحيان وفي المقابل يتوجب على المجتمعات المحلية حماية "مناطق إعادة الإعمار"  بحيث يمكن للمستثمرين الإنتاج للتصدير في خطر أمني أقل.

وبعد خمسة عشر عاما من الصراع، يبدو أن إنهاء الحرب في أفغانستان لم يعد أمرا ملحا ولكن الحقيقة هي أنه أكثر إلحاحا من أي وقت مضى وليس فقط للحد من تدفقات اللاجئين إلى أوروبا وأماكن أخرى ولكن أيضا لتقويض جهود الإرهابيين للتجنيد علما أنه من خلال تشجيع "الاستثمار الذي له تأثير " من قبل أولئك الذين يسعون لتحقيق مكاسب اقتصادية وتقدم اجتماعي ومن خلال الدفع قدما بالمشاريع التي تعود بالفائدة على المستثمرين الأجانب والمجتمعات المحلية على حد سواء فإن إدارة ترامب قد تكون قادرة على عمل ذلك .