0

الحرب والديون والديمقراطية

نيويورك ـ بعد القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة برفع سقف الدين الذي كانت قد فرضته على نفسها، فمن الحكمة أن نتذكر الأسباب التي جعلت الدين العام الأميركي بهذه الضخامة، وما مدى أهمية هذا الدين. مع صعود حزب الشاي فربما يعترض الجمهوريون أشد الاعتراض على رفع سقف الديون، ولكنهم من المرجح أن يتراجعوا في نهاية المطاف، وذلك لأن الدفاع عن الحروب الممولة بالدين ـ ولنقل في أفغانستان والعراق ـ من بين أمور أخرى أمر أيسر من الدفاع عن الحروب التي يتم تمويلها أولاً بأول بالاستعانة بأموال دافعي الضرائب.

والواقع أن الجدال الذي يلوح في أفق الولايات المتحدة يؤكد على نقطة أكثر عموما: فمنذ زمن سحيق كانت الحروب بمثابة سيف ذي حدين. إذ كانت المجتمعات البشرية تمارس عمليات القمع والذبح الجماعي فيما بينها على نطاق أشبه بأسوأ الكوارث الطبيعية على الإطلاق. ولكن الحروب كانت أيضاً سبباً في جلب تغيرات مفيدة، وذلك لأن حشد الناس للقتال يعمل أيضاً على تعبئتهم سياسيا.

والتاريخ عامر بأمثلة للحروب التي ساعدت أيضاً في توسيع مدى انتشار أصوات هؤلاء الذين عملوا على توفير الموارد للقتال. فقد تحولت أثينا القديمة إلى "ديمقراطية" ـ أو حرفيا، حكومة من الشعب ـ عندما قام الكليثينيون بتنظيم تجمعات الصيادين والمزارعين العادية وتحويلها إلى حشود من الدهماء الذين تمكنوا من إلحاق الهزيمة بأهل النخبة المدعومين من قِبَل اسبرطة. ولقد تم تأمين حريتهم السياسية بفضل اعتماد أثينا على أعمال الحروب البحرية الكثيفة العمالة ضد الفرس وغيرهم من الأعداء.

وفي روما كان الإضراب الذي نظمه الجيش في القرن الخامس قبل الميلاد سبباً في فتح السياسة أمام الطبقات الدنيا. ولقد اشتهر المحاربون العاديون بأنهم صناع القرار بين أهل الشمال في أقاليم الألب السويسرية في القرون الوسطى المبكرة.