0

إعادة النظر في "متلازمة الرضيع المرجوج"

أكسفورد ــ إن الحدث الأكثر مأساوية الذي قد يصيب الآباء الجدد هو موت أطفالهم بشكل مفاجئ وغير متوقع. ولعل الأمر الوحيد الأكثر سوءاً هو أن يوجه الاتهام ظُلماً إلى هؤلاء الآباء بالتسبب في الوفاة، بل ومحاكمتهم، نظراً لسوء تفسير المجتمع الطبي لنتائج الكشف.

إن عدداً ضئيلاً من الأطفال الذين ينهارون ويموتون بشكل غير متوقع في العام الأول من حياتهم يتبين أنهم  يشتركون في واحد أو أكثر من الأعراض الثلاثة التالية: نزيف خارج الدماغ مباشرة (النزيف تحت الجافية)؛ ونزيف في الجزء الخلفي من العين (نزيف الشبكية)؛ وتورم الدماغ.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ومن الممكن أن نرى نفس المظاهر أيضاً في بعض الأطفال الرُضع الذين تعرضوا لإصابة، مثل السقوط أو في حوادث السيارات. ورغم هذا فإن العديد من الرضع الذين يعانون من هذه الأعراض يخلو تاريخهم من أي تعرض لإصابة أو لا يوجد دليل طبي يؤكد تعرضهم لإصابة (مثل الكسور أو الجروح أو الكدمات)، أو إيذاء بدني، أو إهمال.

وقد تصارع أطباء الأطفال مع هذه المعضلة حتى سبعينيات القرن الماضي، عندما اقترح البعض أن هزهزة الرضيع قد تؤدي إلى إحداث قوى دورانية تتسبب في هذا "الثالوث" من الأعراض من دون كدمات أو كسور. وعلى مر السنين تطورت هذه النتيجة إلى "متلازمة الرضيع المرجوج"، وهي فرضية طبية قانونية لا تزال محل جدال، وغير مثبتة علميا، حتى يومنا هذا.

تعزو فرضية متلازمة الرضيع المرجوج هذه الأعراض الثلاثية إلى تمزق الأوعية الدموية على سطح الدماغ وشبكية العين وتمزق الألياف العصبية داخل الدماغ. وقد اقترح البعض أن هذه النتائج تتطلب قوة تعادل السقوط من بناية متعددة الطوابق أو حادث سير كبير، وهو ما يؤدي إلى ظهور تلك الأعراض فوراً أو الانهيار تماما. ولأن الهزهزة العنيفة من غير الممكن أن تحدث عَرَضيا، فإن هذه الفرضية تثبت في الوقت ذاته وقوع عمل إجرامي وتحدد الجاني، وهو عادة الشخص المرافق للرضيع وقت انهياره.

ورغم إدراج فرضية متلازمة الرضيع المرجوج ضمن التدريب الطبي أو القرارات القضائية في مختلف أنحاء العالم، فقد ظلت غير مختبرة لمدة تقرب من العشرين عاما. في عام 1987، وجدت أولى التجارب الميكانيكية الحيوية أن قوة الهزهزة أقل كثيراً من قوة الصدمة وخلصت إلى أن الهزهزة وحدها من غير المرجح أن تتسبب في إحداث هذه الأعراض الثلاثية.

وقد أثبتت البحوث اللاحقة في تخصصي، أمراض أعصاب الأطفال، أن الأساس الطبي الذي تستند إليه فرضية متلازمة الرضيع المرجوج كان معيباً أيضا. فقد علمنا أن تلف الأعصاب في هؤلاء الأطفال لم يعكس إصابة بالألياف العصبية، بل فشل في إمدادات الدم. كما علمنا أن النزيف تحت الجافية في هذه الحالات يكون عادة أقل من أن يحدث نتيجة لتمزق الأوردة الممتدة على سطح الدماغ. وعلمنا أن نفس النتائج يمكن مشاهدتها في حالات الوفاة الطبيعية. وعلى مدى العقد الماضي، كانت قائمة الأسباب الأخرى ــ بما في ذلك الإصابة العَرَضية، والأسباب الخلقية، والأمراض الطبيعية ــ آخذة في النمو.

ولعل الملاحظة الأكثر إقناعاً في السنوات الأخيرة هي أن النزيف تحت الجافية يحدث في ما يقرب من نصف الأطفال الحديثي الولادة الطبيعيين الأصحاء الذين لا يوجد دليل طبي على تعرضهم لإصابة أثناء الوضع. والواقع أن هذه النتائج، مقترنة بالتشريح الفج لجافية الرضيع، تشير إلى أن نزيف غشاء الأم الجافية في صغار الأطفال قد يكون بمثابة حماية طبيعية ــ خزان لمنع الارتجاع في أوعية الدماغ الدموية خلال تقلبات الضغط الناجمة عن الولادة الطبيعية والوضع.

ولأن هذه السمات التشريحية تستمر إلى مرحلة الطفولة المبكرة، فقد يظل غشاء الأم الجافية عُرضة على نحو مماثل للنزف بعد مرحلة الولادة الحديثة. والواقع أن حالات النزف المرتبطة بالولادة وتلك التي يمكن عزوها إلى الهزهزة تقع غالباً في طيات الأغشية التي تغطي الدماغ والتي تحتوي على أوعية دموية أكبر في هذه السن مقارنة بمراحل لاحقة في الحياة.

وفي حين قوضت الأدلة العلمية على مدى العقود الثلاثة الماضية فرضية الطفل المرجوج، فلم تظهر أدلة جديدة قد تدعمها. وبدلاً من هذا، اعتمد العديد من الباحثين على البيانات الواردة في دراسات أقدم لحساب الاحتمالات الإحصائية لحدوث إصابات الدماغ عند تواجد مظاهر معينة (مثل النزيف داخل الجمجمة، ونزيف شبكية العين، وتورم الدماغ، ونوبات التشنج). ثم يتم تقديم هذه الاحتمالات باعتبارها أساساً للتشخيص ودليلاً في المحكمة.

ورغم هذا فإن الاستدلالات الكامنة وراء هذه الدراسات التي يعتمد عليها هؤلاء الباحثون تتسم بالتعميم، وتستند إلى افتراضات بات من المعلوم الآن أنها غير جديرة بالثقة. على سبيل المثال، في بعض الدراسات، قرر الباحثون بشكل متعسف أن السقوط من ارتفاع أقل من متر واحد من غير الممكن أن يلحق الأذى بالطفل، وبالتالي فإن الآباء الذين يصفون مثل هذا السقوط لابد أن يكونوا كاذبين. كما استعرضت دراسات أخرى عدم قدرة الآباء على تفسير النتائج كدليل على إساءة المعاملة.

ونظراً لهذه العيوب، فإن استعراض الدراسات القديمة لا يزودنا بقاعدة من الأدلة التي يمكن الاعتماد عليها في تشخيص إساءة المعاملة. فهي ببساطة تتوقع احتمال تصنيف نتائج محددة باعتبارها إساءة معاملة، وبالتالي فإن الشخص الذي تولى العناية بالطفل في ذلك الوقت سوف يتهم أو يُدان بإساءة المعاملة، بصرف النظر عن مدى دقة التشخيص.

والآن يُـقِر باحثون رواد من أنصار فرضية الرضيع المرجوج بأن الأعراض الثلاثية "خرافة"، وأن تشخيص متلازمة الرضيع المرجوج ينطوي على "تكهنات عن غير اطلاع"، وأن هذه الفرضية لا تَثبُت إلا باعتراف الجاني. وقد حذت بعض المحاكم حذوهم، حيث وصف أحد القضاة في الولايات المتحدة تلك الأنماط من الاعترافات التي تم الحصول عليها في هذا السياق باعتبارها "لا قيمة لها كدليل"، وذكر قاض آخر أن المزاعم بشأن متلازمة الرضيع المرجوج قد تكون في ضوء التطورات الحديثة "أقرب إلى اقتناع إيماني من كونها اقتراحاً علميا".

لا أحد يتساءل حول إمكانية إلحاق الأذى بالأطفال الرضع أو قتلهم بالهزهزة العنيفة أو إساءة المعاملة؛ فمن المؤكد أن ذلك في حكم الإمكان. ولكن القضية الحقيقية هي ما إذا كان من الممكن الاستدلال على الهزهزة العنيفة أو إساءة المعاملة استناداً إلى فرضية تفتقر إلى أي دعم علمي. ولن نجد أي مجال آخر من مجالات الطب والقانون حيث يستعان بفرضية غير مثبتة كهذه كأساس للتشخيص، بل وحتى لإقامة الدعوى الجنائية.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

ونظراً للتطورات التي شهدتها العقود الماضية، فإننا الآن أمام احتمال مفاده أننا على مدى السنوات الثلاثين الماضية كنا نرسل الآباء إلى السجن ظلماً على أساس فرضية معيبة.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali