14

جوبلز في الكرملين

موسكو ــ في روسيا السوفييتية، كان الجميع يعلمون أنهم تحت المراقبة. وأي انحراف عن السلوك المقبول رسمياً كان يستقبل بالريبة والشكوك ثم العقاب في الأرجح. كانت الدولة السوفييتية ترى أنها في حالة حرب مع كل شيء تقريبا ــ جواسيس أجانب، وأعداء الشعب، وأناس يرتدون الجينز أو يعزفون موسيقى الجاز. ولم تكن إيديولوجية النظام المهيمنة الماركسية اللينينية، بل الشك والعداوة.

منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين، وقبل بزوغ أول أشعة الجلاسنوست (سياسة الانفتاح والشفافية) في روسيا، لم تكن تلك الأوقات المظلمة قَط محسوسة وقريبة كما هي الآن. فقد عاد مرة أخرى الهوس بحماية المجتمع من أعداء الداخل والخارج ليصبح السلوك المألوف. والواقع أن روح اليقظة الدائمة تشكل عنصراً أساسياً لدعم مستويات شعبية الرئيس فلاديمير بوتن المرتفعة. ولا أحد يلعب دوراً أكثر أهمية في خلق الأجواء الشعبية اللازمة من الدور الذي يلعبه فاديسلاف سوركوف.

شغل سوركوف، الذي كان رئيساً لأركان بوتن ذات يوم، منصب نائب رئيس الوزراء في الفترة من 2011 إلى 2013. وهو الآن يتولى مهمة رسمية تتمثل في إسداء النصيحة للرئيس بوتن في ما يتصل بالشؤون الخارجية، ولكنه في حقيقة الأمر المسؤول الأول عن الدعاية في النظام. وينسب إليه إدخال مفهوم "الديمقراطية الموجهة" في روسيا، كما لعب دوراً رائداً في رعاية انفصال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا. وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، كان اليد المرشدة وراء غزو روسيا لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، فألهم الحملات الإعلامية المحمومة التي نقلت الدعم الشعبي شبه الكامل لهذه التحركات.

الواقع أن سوركوف هو الرجل الأكثر مسؤولية عن رعاية المشاعر المؤيدة لبوتن، والتي باتت تشبه على نحو متزايد عبادة الشخصية على غرار ما حدث مع ستالين. يرجع نسب سوركوف إلى الشيشان، وهو مُشَرَّب ــ مثله في ذلك كمثل ستالين ــ بعقلية قعقعة السلاح والميل إلى استخدام القوة التي تتسم بها منطقة القوقاز. وتحت إشرافه وتوجيهه، كان التركيز الأساسي لاستراتيجية الاتصال في الكرملين يتخلص في الحفاظ على مفهوم مفاده أن الغرب يريد تدمير روسيا. وبالتالي فإن الصراع في أوكرانيا تم تصويره باعتباره صراعاً متجدداً ضد الفاشية ــ والدفاع عن هوية روسيا الحقيقية المناهضة للغرب. وفي الذكرى السنوية السبعين لنهاية الحرب العالمية الثانية، كان التركيز والتشديد على التهديد المفترض الذي تتعرض له روسيا اليوم، مع ظهور اللوحات في مختلف أنحاء موسكو والتي تذكر الروس بالتضحيات الضرورية لتحقيق النصر.