9

قَمع مالي صُنِع في أميركا

هونج كونج ــ إن جيلاً من خبراء الاقتصاد في مجال التنمية مدينون فكرياً لتصور رجل الاقتصاد رونالد ماكينون، الذي توفى في وقت سباق من هذا الشهر، والذي عرضه في كتابه الصادر عام 1973 بعنوان "المال ورأس المال في التنمية الاقتصادية". ويتلخص هذا التصور في أن الحكومات التي تمارس القَمع المالي (بتوجيه الأموال إلى نفسها من أجل تقليص ديونها) تتسبب في عرقلة التنمية المالية. والواقع أن ماكينون قدم المفتاح إلى فهم السبب وراء تخلف القطاعات المالية في الاقتصادات الناشئة.

وفي نهاية حياته، كان ماكينون يعمل على مفهوم متصل ــ والذي يحتمل أن يكون فتحاً جديداً أيضا ــ حول معيار الدولار-الرنمينبي. فهو يرى أن مثل هذا النظام من شأنه أن يخفف من القمع المالي والتفتت المالي الذي يقوض الاستقرار المالي العالمي والنمو. والسؤال هو ما إذا كانت السلطات ــ وخاصة في الولايات المتحدة، والتي استفادت لفترة طويلة من الهيمنة العالمية التي يتمتع بها الدولار ــ قد توافق على مثل هذا النظام التعاوني على الإطلاق.

إن فكرة إسهام الهيمنة العالمية التي يتمتع بها الدولار في القمع المالي تمثل تحولاً تاريخياً كبيرا. فكما أشار ماكينون، أصبح الدولار العملة الدولية المهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية لأنه ساعد في الحد من القمع المالي والتفتت المالي في أوروبا وآسيا، حيث ساد التضخم المرتفع، وأسعار الفائدة الحقيقة السلبية، والقيود التنظيمية المفرطة. فباستخدام الدولار لتثبيت الأسعار وسعر فائدة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كمعيار لتكاليف رأس المال، أصبحت عمليات إصدار الفواتير، والمدفوعات، والمقاصة، والسيولة، واحتياطيات البنوك المركزية أكثر استقراراً وجدارة بالثقة.

وطالما ظلت الولايات المتحدة مُنتِجة وقادرة على المنافسة، استفادت العملات المربوطة بالدولار إلى حد كبير. فبالنسبة للاقتصادات التي كانت تمر بمرحلة انتقالية ــ مثل أوروبا الغربية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وآسياً أثناء معجزة النمو في الفترة من السبعينيات إلى التسعينيات، والصين في الفترة 1996-2005 ــ وفَّر الدولار مرتكزاً لجهود تثبيت استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي والنقدي التي يستلزمها التحول البنيوي.